الرّحمة والحقّ إلتقيا

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

ترد في بعض نصوص الكتاب المقدّس، كلمات مترافقة ومترابطة. لا بدّ من وجود سبب وراء ذلك يُظهر أهمّية تلازمهما، كيما يوصِلا معًا المعنى المقصود. من هذه الكلمات، "الرّحمة والحقّ إلتقيا، البرّ والسّلام تلاثما" (مز 58: 20). وأيضًا، "كلّ سبل الرّب، رحمة وحقّ، لحافظي عهده وشهاداته" (مزمور25: 9). بالإضافة إلى غيرها من النّصوص. تسلّط هذه المقالة الضّوء على إلتقاء "الرّحمة والحقّ".

رحمة... نعمة... حنان...

هناك عدد من كلمات العهد القديم العبريّة المترجمة "رحمة" في العربيّة. من أجملها كلمة "رحميم"، الواردة من الجذر "رحم". يحيط رحم المرأة الجنين بغطاء حماية، ويمدّه بالغذاء الضّروري لنموّه. الأمر الذي يعطي الكلمة سياقًا عائليًّا عاطفيًّا، ويجعل منها طريقة تعامل مميّزة مع الآخرين، لاسيّما الضّعفاء، تشبه معاملة الأم لجنينها وأولادها. أمّا الكلمة العبريّة "إيمت"، المترجمة "الحق"، فتعني، التصرّف بشفافيّة، ورفض الكذب، والحفاظ على مستوى أخلاقيّ رفيع، في التّعامل مع الغير. يشدّد الكتاب المقدس على أهمية تلاقي "الرّحمة والحقّ" معًا. فما هي ضرورة تلاقيهما معًا والميزة في هذا الأمر؟

قال البشير يوحنّا في سرده لقصّة تجسّد المسيح، "لأنّ النّاموس بموسى أعطي. وأمّا النّعمة والحق، فبيسوع المسيح صارا" (يو 1: 17). ووصف شخص المسيح المتجسّد بأنّه كان مملوءًا نعمة وحقًا. استخدم يوحنّا تعبيرًا لاهوتيًّا أقوى من "الرّحمة"، لتلتقي مع الحقّ، هي كلمة "النّعمة". إذا كانت الرّحمة تعني، التّحنّن على النّاس المحتاجين إليها، فإنّ النّعمة تبادر إليهم من تلقاء نفسها، ولا تنتظرهم أن يهرعوا إليها. النّعمة تبادر وتخلّص، بالرّغم من عدم إستحقاق الآخر. "النّعمة والحق" صارا وتلاقيا في يسوع المسيح المتجسّد، الّذي جاء إلى عالمنا كما يشهد التّاريخ، ونطق بكلام الحياة الأبديّة، وصلب على الصّليب من أجل البشر، وقام من بين الأموات، وصعد إلى السّماء، كما يعلن الكتاب المقدس.

 

كيف التقت النّعمة مع الحق؟

لقد تلاقيا أوّلا في تجسّد المسيح. ظهرت الرّحمة،  في المواعيد الّتي أعلنها الله لأنبياء العهد القديم، عن مجيء يسوع المسيح إلى العالم. يقول البشير لوقا عنه، "ليصنع رحمة مع آبائنا، ويذكر عهده المقدّس... بأحشاء رحمة إلهنا، الّتي بها افتقدنا المشرق من العلاء" (لو 1: 78). وظهر الحقّ، عندما تبيّن، أنّ تلك المواعيد، لم تكن مجرّد أوهام أو أكاذيب، لكنّها تُرجمت كحقيقة واقعة في قدوم المسيّا يسوع إلى العالم. قال يوحنّا، "والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا ورأينا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب" (يو 1: 14).

 

النّعمة والحقّ إلتقيا ثانيًا على الصّليب. وجدت النّعمة حالة الإنسان السّاقطة في وضع صعب جدًّا. وذلك بسبب الدّمار الّذي سبّبته الخطيّة في فكره وإرادته وحياته، الأمر الّذي أدّى الى انفصاله عن الله، واستحقاقه العقاب، وعدم قدرته على إنقاذ نفسه. فبادرت نعمة الله بواسطة يسوع المسيح، نحو الانسان الخاطىء، والتقت مع الحق في الجلجثة. والمسيح بموته على الصّليب، أحقق الحقّ ودفع بدلا عنه، العقاب المستحقّ عليه.  يقول الرّسول بولس إنّ يسوع "صار لعنة لأجلنا". لذا كلّ من يؤمن به ينال باسمه غفران الخطايا والحياة الأبديّة. قالت الرّحمة على الصّليب، "يا أبتاه. إغفر لهم لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون". فأجاب الحقّ، "قد أُكمل". لقد دًفع الثّمن.

 

في المجال الثّالث ترافقت النّعمة والحق في طريقة تعامل المسيح مع الناس، أثناء كرازته بقرب ملكوت الله. من الأمور الّتي عالجها المسيح، قصّة المرأة التي أُمْسِكَتْ في زنى. يقول النّص، "وقدّم إليه الكتبة والفرّيسيّون، إمرأة أُمْسِكَتْ في زنى. ولما أقاموها في الوسط، قالوا له: يا معلّم، هذه المرأة أُمْسِكَتْ وهي تزني في ذات الفعل". يعرف الجميع نهاية القصة. عالج يسوع الحادثة، بلقاء وتوازن، الرّحمة والحقّ. بالرّحمة، حماها من محاولة رجم الفرّيسيّين لها بالحجارة حتّى الموت، كما نصّت الشّريعة اليهوديّة. ثمّ خاطبهم قائلًا، "من منكم بلا خطيئة فليرجمها أوّلاً بحجر". فأنّبتهم ضمائرهم، ولم يرجموها. لقد عالج قضيّتها بالحقّ، حين واجهها، منبّها إيّاها بعدم الوقوع في الخطأ مرّة ثانية. فقال لها، "إذهبي ولا تخطئي أيضًا"(يو 8: 11).

AddToAny