الصّوم في الكتاب المقدّس

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

الصّوم هو الإنقطاع عن الطّعام والعمل والتّرفيه بهدف الصّلاة والتضرّع أمام الله. حين يمرّ الإنسان بحالةٍ قاهرةٍ ومستعصيةٍ، أو يشعر بضغط حاجة ملحّة، يصوم ليسكب ذاته ويتذلّل في حضرة الله. ماذا يقول الكتاب المقدّس عن هذا الموضوع الهامّ؟

 

الصّوم في العهد القديم

صام شعب الرّب في العهد القديم في أوقات محدّدة ومتفاوتة، وفي أماكن مختلفة، ولغايات ملحّة. وكانوا يصلّون حين يصومون. هاجم الأعداء الملك يهوشافاط فدعا جميع الشّعب، الرّجال والنّساء والأولاد، إلى اجتماع عام في بيت الرّب للصّوم والصّلاة، فأنقذهم الله بيمينه القويّة (2أخ 20: 1-19). في طريقه من بابل إلى أورشليم لبناء الهيكل، توقّف عزرا والشّعب الّذين معه عند نهر أهوا. صاموا وصلّوا بتذلّل لينجّيهم الله من قطّاع الطّرق المتربّصين بهم. ثمّ ارتحلوا بأمان في حماية القدير ووصلوا بسلام. صام نحميا وبكى وناح وصلّى وتاب أيّامًا عديدةً ومتواصلةً بسبب أسوار أورشليم المتهدّمة وأبوابها المحروقة بالنّار النّاتجة عن خطايا الشّعب (نح 1: 4-7). ثمّ صام مجدّدًا عند اكتمال بناء سور المدينة، وجميع الشّعب معه بالمسوح والتّراب. كانت وجبة طعامهم كلمة الرّب؛ يقرأون فيها ربع النّهار وفي الرّبع الآخر يسبّحون الله بحمدٍ وثناء. وصامت الملكة أستير حين أصدر الملك أحشويرش مرسومًا يقضي بإبادة شعبها. ثمّ طلبت من شعبها أن يصوموا ثلاثة أيّام، ليلاً ونهاراً، قبل أن تلتمس من الملك إلغاء قراره. نجحت خطّتها، ونجا شعبها، وتغيّرت المعادلة إذ صدر الأمر بمعاقبة من حرّض الملك على كتابة مرسوم الإبادة.

 

وصام الملك داود بسبب أعدائه الّذين مرّروا حياته. فكتب في مزاميره، "شهود زور يقومون عليَّ. أبكيت بصوم نفسي. جعلتُ لباسي مِسحًا. أمّا أنا فلكَ صلاتي". وصام حين مرض طفله للموت، فاضطجع على الأرض باكيّا، ولم يشأ أن يأكل خبزًا! ولما علم بموت ابنه، قام عن الأرض، واغتسل وبدّل ثيابه، وجاء إلى بيته وطلب خبزًا فأكل. الأمر الّذي فاجأ خدّامه فأجابهم، "الآن قد مات، فلماذا أصوم؟ هل أقدر أن أردّه بعد؟" أمّا الصّوم الكبير فشهدته نينوى المدينة العظيمة الشرّيرة حين أعلن يونان النّبي أنّ الرّب سيدينها بعد أربعين يومًا. قام الملك عن عرشه، وخلع رداءه، وتذلّل مع شعبه، وصاموا وتغطّوا بالمسوح جالسين في الرّماد، وتابوا راجعين عن طرقهم الرديّة. شمل الصّوم النّاس والبهائم أيضًا. فبسط الرّب رحمته عليهم وأنقذهم من الدّينونة.

 

الصّوم في العهد الجديد

سأل تلاميذ يوحنّا يسوع قائلين، "لماذا نصوم نحن والفرّيسيون كثيرًا وأمّا تلاميذك فلا يصُومون؟" أجابهم، "هل يستطيع بنُو العرس أن ينُوحُوا ما دام العريس معهم. ولكن ستأتي أيّام حين يُرفع العريس عنهم، فحينئذٍ يصُومون في تلكَ الأيام". تمّت النبوّة حين رُفع يسوع على الصّليب. عندها حزن تلاميذه كثيرًا وتواروا في العليّة يائسين وخائفين. لم يكن الطّعام شغفهم بل كانوا في صمت وصوم وصلاة لصعوبة المرحلة المقبلة.        

 

يعلّم الإنجيل أنّ الصّوم يُقام في الظّروف المستعصية. لما أخرج المسيح الرّوح الشّرير من المسكون، تعجّب تلاميذه لعدم قدرتهم على فعل ذلك. فقال لهم، "وأمّا هذا الجنس فلا يخرج إلاّ بالصّلاة والصّوم". وهو يحدث أيضًا عندما ترغب الكنيسة في تمييز مشيئة الرّب واتّخاذ القرارات الحاسمة. كانت الكنيسة في انطاكيا تعبد الرّبّ وتصوم، فقال لهم الرّوح القدس: "أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الّذي دعوتهما اليه. فصامُوا حينئذٍ وصلّوا ووضعوا عليهما الأيادي ثم أطلقوهما". اشتدّ النّوء وهاجت الأمواج على السّفينة في رحلة بولس إلى روما وكادت تتحطّم. يقول الكتاب المقدّس إنّه "انتزع كلّ رجاء في نجاتهم". فصام بولس ورفاقه مدّة أربعة عشر يومًا متواصلًا. انقطعوا عن تناول أيّ طعام. فافتقد الرّب حياتهم وأنقذ السّفينة وكلّ من فيها. 

 

آراء في الصّوم

يظنّ بعض النّاس أن الصّوم هو سبيل لغفران خطاياهم. أمّا يسوع فحكم على الفرّيسيّ، الّذي صعد ليصلّي في الهيكل وكان يصوم مرّتين في الأسبوع، أنّ صومه لم يُجده نفعًا ولم يتبرّر أمامه. على عكس العشّار الّذي نزل إلى بيته مبرّرًا لأنّه تاب طالبًا الرّحمة من الله. يعتقد آخرون أنّ قهر الجسد بالصّوم هو فعل إماتة يُساهم في تقرّبهم من الله. لكن الكتاب المقدّس يقول، "الطّعام لا يُقدّمنا إلى الله" (1كو 8: 8). وهناك من يمتنع عن تناول بعض المآكل لئلاّ يتنجّسوا. هذا أيضًا يتعارض مع كلام المسيح الّذي قال، "ليس ما يدخُل الفم يُنجّس الإنسان. بل ما يَخرُج من الفم هذا ينجّس الإنسان... ما يَخرُج من الفم فمن القلب يصدُر. وذلك ينجّس الإنسان" (متى 15: 18). والبعض يتّخذ من صوم المسيح فريضةً دائمة. صام يسوع أربعين يومًا وأربعين ليلة متواصلة في بداية خدمته. لم يختر ساعات محدّدة في كلّ يوم لصومه، لكنّه لم يتناول الطّعام طوال هذه الفترة. لقد صام بسبب مشروعه الخلاصيّ الكبير الّذي سينجزه. رجع من الصّوم في البريّة فاختار تلاميذه الإثني عشر، وراح يجول يكرز ببشارة التّوبة للعالم الهالك، ثمّ اتّجه إلى الصّليب لفداء البشريّة. كان لا بُدّ له أن يبدأ مشروعه بشركة متواصلة مع الآب عبر التفرّغ للصّلاة والصّوم والابتعاد عن المشغوليّات الأخرى. وهو لم يطلب منّا أن نصوم صومه. ونلاحظ أنّه فعل ذلك مرّة واحدة فقط، ولم يكرّره. صام عنّا ثمّ حمل كلّ خطايانا ليخلّصنا.

 

قال يسوع، "ومتى صُمتُم فلا تكونوا عابسين كالمرائين. فإنّهم يُغيّرون وجوههم لكي يظهروا للنّاس صائمين. الحقّ أقول لكُم إنّهم قد استوفوا أجرهُم. وأمّا أنت فمتى صُمتَ فادهن رأسك واغسل وجهك لكي لا تظهَر للنّاس صائِمًا بل لأبيك الّذي في الخفاء" (متى 6: 16). ليست هذه العبارة أمرًا بالصّوم بل توجيهًا لتصرّف الإنسان حين يصوم؛ عليه أن يتجنّب الرّياء والمظاهر. يبقى الصّوم عملًا اختياريًّا، فرديًّا كان أم جماعيًّا، يقوم به المؤمن عند شعوره بحاجة ماسّة نحو أمر معيّن، وليس كوصيّة كتابيّة إلهيّة مُلزمة.

AddToAny