العُملة النّادرة

الكاتب:
العدد:
السنة:

اللـياقـــة عُملةٌ نادرةٌ لصعوبة وجودها وإظهارها. افتقارنا لها يدفع مجتمعنا إلى العنف إذ نعبّر، بلا قيود، عن مشاعرنا وأفكارنا، إن بالكلام أو بالتصرّف من دون مراعاة للآخر. اللياقة "فنّ" في التّواصل باحترام مع شخصٍ آخر فلا نجعل منه خصمًا أكيدًا في المستقبل.

 

اللياقة في المعنى والمبنى

المعنى هو المضمون أي المكوّن الأساسي في اللياقة. أمّا المبنى فهو أسلوب نقل المضمون إلى الغير. يتنبّه الإنسان اللائق إلى التّوقيت المناسب، أي متى يُفصح عن مشاعره وأفكاره؟ والأسلوب المناسب، أي كيف يفعل ذلك؟ يوضّح الملك سليمان هذا بقوله، "تفّاحٌ من ذهب في مصوغٍ من فضّة كلمة مقولة في محلّها". وأوصى الرّسول بولس المؤمنين ليكون كلامهم كلّ حين بنعمة مُصلَحًا بملح.

 

إختيار الكلمات بدقّة

 يعَلّم الكتاب المقدس أنّ كثرة الكلام لا تخلو من معصية. فقبل أيّ كلام يجب إدراك أهمّيّة التّوقيت المناسب، والطّريقة الملائمة، وطبيعة  الأشخاص الموجودين. يتطلَّب الأمر عدم التّسرّع، وأيضًا تحليلًا مُسبقًا ودقيقًا للتّأثيرات والنّتائج الممكن صدورها عن الكلام أو التّصرّف. تكون العمليّة صعبة قي البداية لمن لا يمارسها وقد تقوده لعدم الكلام، وهذا أفضل، إلى أن يتدرّب على التّفكير أكثر، حينئذٍ فقط، يكون للكلام قيمة.

 

الإيجابيّة

يتدرّب الطّفل على الكلام بشكلٍ طبيعيّ بواسطة السّماع والتّقليد. لكنّ الكبار، إذا اتّبعوا هذا النهج واستمرّوا فيه، يعكسون حالة المجتمع المترديَّة والعنيفة ولا يضيفون شيئًا بكلامهم. يُعلِّم الكتاب أنَّ الكلام الموجع يهيّج الخصام والكلام الليّن يصرف الغضب. وحدها الرّوح الإيجابيّة والأهداف النّبيلة تأتي بالأفكار البنَّائة والشّافية.

 

الإيحاءات الجسديّة المُرافقة

الإيحاءات الجسديَّة فعّالة وتستطيع إيصال الرّسائل المباشرة والقويّة من دون الحاجة إلى الكلام أحيانًا. أمّا إذا كانت عنيفةً فتدمّر الكلام لأنّها أشدّ منه. مثلًا الصّوت المرتفع وتقطيب الحاجبين والتّململ إشارات جسمانيّة تزعج السّامع قبل الكلام. فمن أولويّات اللياقة الصّوت المنخفض والابتسامة والترّكيز في أثناء المحادثة.

 

الإحترام

لا إحترام لما يقوله أيّ إنسان إذا كان نابعًا عن عدم إحترام الآخر. هذا لا يُلغي الحاجة للمواجهة بالحقيقة الصّارمة في بعض الظّروف، لكنّه يمنع المسَّ بكرامة أيّ إنسان مخلوق على صورة الله وقُدسيَّته مهما ارتكب من شرور أو تكلّم بما يُسيء. علينا احترام أصحاب الإختلافات الدّينيّة والثّقافيّة والحضاريّة والعرقيّة بغض النّظر عن رأينا فيها، كما علينا أن نُثَمِّن الحريَّة ومن أعطاها لكلّ إنسان.

 

جمال اللياقة

صفة اللياقة صعبة لكنّها جميلة؛ مُكلفة ومُتعبة لكنّها مؤثّرة ومُثمرة. إنَّها واحدة من جمالات يسوع الكثيرة إذ كُتب عنه "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمعُ أحد في الشّوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخّنة لا يُطفئ". يسوع بلطفه الشديد سيخرج الحقّ إلى النّصرة.

AddToAny