الفايسبوك والشباب: حقائق ومحاذير

الكاتب:
العدد:
السنة:

يُعتبر الفايسبوك منصَّةً إلكترونيَّة استثنائيَّة للتّواصل الاجتماعيّ في مجتمعاتنا المعاصرة. لم نألَف هذا التطوُّر الإلكترونيّ في الأجيال القديمة، ولكنّنا بدأنا نتعوَّد على استخدام هذه الوسائل فأصبحت جزءًا لا يتجزَّأ من حياتنا الروتينيَّة. وهكذا ألِفنا في ممارساتنا اليوميّة وسيلةً إلكترونيّةً سهلة المنال للتّواصل لم يكن أحد يعتقد أنّ تأثيرها سيطال مختلف شرائح المجتمع في شتّى انتماءاته.

الفايسبوك: استخدام الكومبيوتر والثّورة الإلكترونيَّة

أذكر يوم كنت أُتابع دراساتي في الجامعة الأمريكيَّة في بيروت بروز أولى علامات الاستخدام العمليّ لآلة عُرفت آنذاك بالحاسوب، أو الكومبيوتر. قد يُخال إليك أنّني آتٍ من ماض سحيق مُتخلِّف حيث لم نكن نعرف التّكنولوجيا كما نعهدها في أيّامنا المعاصرة. لم نألَف الكومبيوتر حقًّا ولا الإنترنت إلّا مؤخّرًا في جيلنا الحاضر. وما زلنا نختبر أهميّة التّواصل باستخدام التكنولوجيا بشكلٍ شبه يوميّ. ونلاحظ أنّ وسائل ما عُرف بالتّواصل الاجتماعيّ أضحت محطّ اهتمام واسع. ومن بين هذه الوسائل صفحة الفايسبوك على الإنترنت.

          وإن كانت هذه الوسيلة أداة مهمّة في التّواصل الاجتماعيّ، يُخيَّل إلى الكثيرين من الّذين لم يتآلفوا مع استخدام الإنترنت بإفراطٍ سريع بأنّ للفايسبوك مخاطر يجب الإحاطة بها والتّنبُّه إليها. يعتقد البعض أنّ استخدام الفايسبوك يقع دائمًا على عاتق مستخدمه ومسؤوليّته تجاه أيّة مخاطر أو انحرافات. قد يكون الإنترنت والعالم الافتراضيّ أحيانًا مكانًا صعبًا يسهل الولوج من خلاله إلى عادات إلكترونيّة سيّئة غير مألوفة في العالم الواقعيّ. وغالبًا ما تكون الأخطاء التي يقع فيها مستخدمو الإنترنت مؤذيةً لا يمكن إصلاحها، خاصّة عندما يبدي الإنسان رأيًا ما أو اتّجاهًا معيَّنًا أو ينشر صورةً ما يصعب إصلاح تأثيراتها فيما بعد حتّى ولو حُذِفت من مواقع التّواصل الاجتماعي.

الفايسبوك والنّظرة المسيحيَّة

يجدر بنا كمسيحيّين أن نحذَر مما يُمكن أن يُنشَر على صفحة الفايسبوك. والأهمّ من ذلك كيف نعامل الآخرين على وسائل التّواصل الاجتماعيّ. وإليكم أنتم مُحبيّ الفايسبوك أو مستخدميه بعض المشاكل التي يُمكن أن تعترض طريقنا فنحذَر منها. أستطيع أن أُسمّي هذه الاعتراضات فِخاخًا يُمكننا أن نقع فيها جميعنا.

من البديهيّ الإشارة إلى أنّ الكتاب المقدَّس لا يذكر مباشرةً أيّ شيء يشير أو يُلمِّح إلى الفايسبوك. وكون الكتاب أُكمِل قبل حوالي 1900 سنة قبل بروز هذه الوسيلة الإلكترونيَّة، فهذا لا يعني إطلاقًا عدم وجود بعض المبادئ العريضة التي يُمكن استشارتها أو الرّجوع إليها في التّعامل الحكيم والبنَّاء مع بعض المشاكل التي تظهر جرَّاء استخدام الفايسبوك.

الفايسبوك والثرثرة الإلكترونيَّة

يساهم الكومبيوتر ومواقع التّواصل الاجتماعيّ، ومن بينها الفايسبوك، بما يُعرَف بالثرثرة الإلكترونيَّة. فقد يُساء استخدام هذه المواقع في نقل كلامٍ ما أو مواقف يمكنها الإساءة إلى الآخرين. ويُمكن أن نُسميّ هذا الواقع أداةً لتغذية الحنين إلى قايين وحبّ الانتقام. فتُصبح هذه المعلومَة المنشورة على الفايسبوك محطَّ اهتمام النّاس حول العالم وليس فقط العائلة والأصدقاء. وهذا ما يُمكنه المساهمة في اختراق خصوصيَّة الفرد (والجماعة) والإساءة إلى سمعة الآخرين وتغذية روح الانتقام. يمكن للجميع أن يقولوا أو يكتبوا ما يشاؤون إلكترونيًّا ويفلتون من المحاسبة خصوصًا عندما تكون هويَّتهم الإلكترونيَّة مخفيَّة. وفي هذا الإطار، لا بدَّ من الإشارة إلى فكر الرّسول بولس عن موضوع الذّمّ والإساءة (رو 1: 29-30). قد تكون الثرثرة الإلكترونيَّة أحيانًا معلومات صحيحة عن شخص أو جماعة ما. لكن، ما الفائدة من نشرها من قِبَل الآخرين؟ ما يجب أن نحذر منه كأولاد الله هو إعطاء معلوماتٍ خاطئة أو غير دقيقة ونشرها. يُحذِّرنا الكتاب المقدَّس من الوقوع في خطأ الوشاية والتّشهير (لا 19: 16؛ مز 50: 20؛ أم 11: 13، 20: 19).  

الفايسبوك والإدمان الإلكترونيّ

قد يتحوَّل استخدام الفايسبوك من استخدام عفويّ وتلقائيّ للتّسلية والاجتماعيَّات إلى عاطفيّ إدمانيّ يجذب الفرد لقضاء ساعات طويلة دونها مخاطر نفسيَّة واجتماعيَّة عدَّة. بهذه العادة السيّئة يمكننا تدمير اهتمامات عدَّة أُخرى مثل الصّلاة ودراسة الكلمة الإلهيَّة. وعندما نرى أنّ الفرد لا يجد الوقت الكافي للاهتمامات الروحيَّة ولكنّه يقضي السّاعات الطويلة على تويتر وفايسبوك، عندئذٍ نوقِن أنّ أولوياته تمّ إعادة ترتيبها بشكل سلبيّ. إنّ استخدام منصَّات التّواصل الاجتماعيّ لأهدافٍ ساميةٍ ورزينةٍ في أوقات مُحدَّدة يُقدِّم أُنموذجًا رائعًا في الاستخدام الإلكترونيّ الهادِف والفعَّال غير الإدمانيّ.   

الفايسبوك والواقع الافتراضيّ

لسنا آلاتٍ تعمل ميكانيكيًّا كروبوتات مُبرمجة، إذ نحن بشر نحبّ التّواصل الفكريّ والعاطفيّ ككائنات اجتماعيَّة تتفاعل بعضها مع البعض الآخر وجهًا لوجه. فالتّواصل المحصور إلكترونيًّا دونه مخاطر أهمُّها غياب التّقارب الفكريّ والعاطفيّ النّاجم عن الحضور الجسديّ وتفاعله. وهكذا يُمكن أن تُصبح علاقاتنا المبنيَّة على البُعد الإلكترونيّ سطحيَّة وغير مُجدية وقد لا تستمرُّ لأمدٍ طويل. يُلاحَظ وجود مقطع كتابيّ يُمكن الإعتماد عليه كونه يشير مباشرة إلى مفهوم اتّساع المعرفة في الأزمنة الأخيرة (دا 12: 4). ففي هذا يُمكننا أن نستنتج الآتي: أولًا: مفهوم ازدياد المعرفة قد يشير إلى معرفة كلمة الله التي تزداد وتُصبح أوضح بالنّسبة إلى البشر وأقرب إليهم مع الأيّام والسّنين. ثانيًا: مفهوم ازدياد المعرفة قد يشير أيضًا إلى المعرفة البشريَّة المأخوذة بالاكتشاف والتطوُّر الإلكترونّي حيث نجد كمًّا هائلًا من المعلومات الـمُخزَّنة. فأيّةُ معلومةٍ تقريبًا يحتاجها الإنسان نراها موجودة على صفحات الإنترنت حيث يُمكن الولوج إليها في هذا العالَم الافتراضيّ بسهولة مُنقطعة النظير.

أين نتّجه من هنا وما هي طموحاتنا الإلكترونيَّة؟ هل نتخلَّى عن هذه التّقنيات والوسائل الاجتماعيَّة أم نستخدمها بحكمةٍ ومسؤوليَّة؟ نحن لا ندين الاستخدام النّوعيّ لوسائل التّواصل الاجتماعيّ إطلاقًا بل نُشجِّع على استخدامها الآمِن والهادِف عالمين بتأثيراتها وفوائدها أيضًا. يجب استخدام الفايسبوك بحكمةٍ من أجل نشر كلمة الله وبنيان الآخرين في النّعمة والإرشاد المسيحيّ الذي يأتي بالكثيرين إلى رحاب المعرفة والعِلم اللَّذَين يمجِّدان الله.