القلب الذي أحبّ الله

الكاتب:
العدد:
السنة:

طالما حلم الإنسان باكتشاف الله ومعرفته ورؤيته. عبّر النّبي داود عن هذا الشّوق بكلمات مؤثّرة ونادرة، فأنشد من عمق قلبه، "كما يشتاق الإيّل إلى جداول المياه، هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله، إلى الإله الحيّ. متى أجيء وأتراءى قدّام الله؟"(مز 42: 1-2).

يعبّر الإنسان عادة عن شوقه لحبيب وقريب وصديق ونسيب، لاسيّما بعد طول غياب. يرتبط البشر معًا بالمودّة والإلفة. العاطفة جزء أساسيّ في تكوينهم. يتوقون للمحبّة ومشاعر الأمان والطمأنينة. منذ نعومة أظافره يحنّ الطفل إلى حضن أمّه، تحميه وتحيط به وتؤمّن له كل عاطفة ممكنة لنموّ طبيعي وصحّي. يشبّ وهو يرتوي من حنانها. ولا يمكن لأمّ أن تنسى رضيعها فلذة كبدها.

يستقي الإنسان هذه الخصائص الرّائعة من خالقه، الآب السّماوي. المحبّة والرّأفة والحنان هي من صفات الله. لا عحب إذًا أن يشتاق إليه المرنّم كالإيّل للمياه العذبة. إنّها صورة رجل يسير في بريّة قاحلة يتضوّر جوعًا وعطشًا. يرى ساقية ماء بعيدة فيهرول إليها لاهثًا مشتاقًا. هكذا تتوق النّفس البشريّة إلى الله خالقها ومخلّصها. وتسعد عند لقائه فتفيض مشاعر الحبّ تُظهِر عواطف  الحقيقي.

يحنّ الإنسان شوقًا إلى الله أوّلًا لأنّ محبّة الله تأسر قلبه. الله في محبّته يتوق لفداء الإنسان وخلاصه، الّذي بدوره يحنّ شوقًا للقاء ربّه. تكتمل المحبّة بالشّركة الحميمة والمتعمّقة بينهما. والنّفس تتوق إلى الله لأنها تعطش إليه. ينابيع العالم بكل مغرياته لا تُروي القلب البشري بل تزيدها ظمأ وهزالة. أمّا الماء الحيّ الّذي يعطيه المسيح فيروي مرّة وإلى الأبد. عندما يشبع الإنسان من ربّه يدوس على كلّ عسل العالم. لذا أيضًا يشتاق إلى محضر إلهه. تاق موسى لرؤية مجد الله فرأى رحمته تجتاز أمامه. يوجد في مركز الكيان البشريّ تهيُّبٌ وإجلال لقداسة الله. مثُل إشعياء في محضر الله فعاين مجده واكتشف صِغَرَه وإثمه فتواضع خاشعًا مشتاقًا إلى غفرانه وطهارته. يسعى المؤمن ليكون قدّيسًا وبلا لوم أمام فاديه.

يحنّ المرء إلى أهله ووطنه وماضيه. يبقى أعظم أنواع الشّوق هو الحنين إلى الله. فضّل المرنّم الوقوف على أعتاب بيت الربّ على السكن مع الأشرار. فقال، "تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار بيت الربّ".

AddToAny