الكبرياء القاتلة

العدد:
السنة:

إنّ جمعيّات الصّحّة حول العالم تنخرط في دراسة الأبحاث حول تفشّي الأمراض وتعمل الاحصاءات حول أكثرها فتكًا وتدفع الأموال لتجد الأدوية والعلاجات اللازمة. مرض السّرطان، أمراض القلب، الألزهايمر وغيرها كلّها تفتك بنا. لكنّ المرض الأوسع انتشارًا وفتكًا بالنّاس من دون أن ندري هو مرض الكبرياء. إنّه يتفشّى في المجتمعات ويصيب معظم النّاس.

قد نعاني داخليًّا ونفسيًّا اذا تعامل أحدهم معنا بكبرياء. نحلّل تصرّفاتهم محاولين أن نفهم لماذا؟ وعلى ماذا؟ نشعر بجرح ٍوألمٍ كبيرين إذا عاملنا أحدهم بازدراء أو فوقيّة وتعالٍ أو عندما يُقيّموننا بحسب لباسنا أو سيّاراتنا أو بيوتنا أو يكلّموننا بنشاف وجفاء وفوقيّة... ونشعر بالألم إذا تكبّر النّاس على الفقير أو الأمّي أو المريض، أو ازدروا بالخدم والعمّال والموظّفين.

نستطيع أن نُشخِّص المرض عندما نراه في الآخرين بسهولة لكن يصعب علينا أن نراه في داخلنا. لماذا؟ لأنّ الكبرياء تبدأ في القلب ثم تمتدّ لتصيب كلّ ما فينا. نحن قد لا نستطيع إصلاح الآخرين لكن يجب أن ننتبه لنفوسنا حتّى لا نصبح نحن بدورنا متكبّرين. فالكبرياء من أسوأ الخطايا.

عوارض الكبرياء

هناك ظواهر عديدة للكبرياء يجب أن ننتبه اليها ونتحذّر منها وهي تدلّنا إن كنّا نعاني من كبرياء دفينة:

أولاً: نظرتنا لنفوسنا. هنا البداية. عندما نرى أنفسنا بصورةٍ أفضل من الآخرين، لا نعود نرى بالآخرين سوى عيوبهم ونواقصهم وكأنّنا نحن كاملين وبلا عيوب. نشعر بداخلنا أنّنا أفضل، أفهم، أصحّ، أرقى... هنا يولد حسُّ الفوقيّة والتّعالي.

ثانيًا: روح القسوة في الحكم على الآخرين. فنحن دائمًا ندين  النّاس ونحكم عليهم من دون شفقة وبدون أن نفهم خلفيّات الأمور. وبالتّالي، ضمنًا، نحن نعتبر أنفسنا في موقع أفضل يخوّلنا أن ندينهم. فنحتقرهم في قلوبنا ونسخّفهم ونقسو عليهم. عكس ما يقوله الّربّ في الكتاب المقدّس "لا تحكموا حسب الظّاهر بل احكموا حكمًا عادلًا."

ثالثًا: اهتمامنا الزّائد بظواهر الأمور وقشور الحياة وانشغالنا بالأمور السّطحيّة والدنيويّة السّخيفة مثل  مظهرنا وسيّاراتنا وألقابنا. عندما نهتمّ أن نجعل نمط حياتنا وتصرّفاتنا كدليل أنّنا ننتمي لطبقة ما وفئة ما من النّاس الّتي يحق لها أن تشعر بفوقيّة على الآخر. كم من أشخاص يخفون أردأ نفسيّات خلف شكلهم الجميل.

رابعًا: كثرة الاهتمام بآراء الآخرين ونظرتهم لنا وما يقولونه عنا. فنسعى لنرضي المجتمع بكلّ شيء لنبهر النّاس فننجرف الى سلوكيّاتهم. أين نحن من الإنسان المتواضع الّذي يهتمُّ برضى الرّبّ على حياته قبل أيّ شيء ويعلم في داخله أنّ الرّبّ ينظر إلى الدّاخل ، إلى الدّوافع والأهداف.

خامسًا: الاهتمام الزائد بالناس البارزين، المعروفين، والأثرياء، وابتعاده وإهماله للفقراء والمتواضعين. فيتباهى أّنه صديق لأولئك وهو بذلك يريد أن يقول أنّه من هذا المستوى وهذه الطّبقة من النّاس. إنّ مجتمعنا، بمعظمه، مريضٌ بكلّ ما سبق لكن يجب علينا نحن، إن كنّا ننتمي للمسيح، أن ننتبه إلى ألّا تدخل هذه النفسيّة إلى أعماقنا لأنّها ستكون سبب سقوطنا. العدوى سهلةٌ جدًّا لكن على الإنسان أن يتحلّى بشخصيّةٍ قويّةٍ وعقلٍ واعٍ وراجحٍ ليستطيع أن يقاوم هذا المنطق البعيد كلّ البعد عن مسيحنا.

سادسًا: الإنسان المتكبّر يفعل كلّ شيء للفت الانتباه إلى شخصه. يريد أن يكون محور الإنتباه. فيضطّرب إذا لاقى غيره تقديرًا أو اهتمامًا أكثر منه. يهمّه مجد النّاس. بينما الرّبّ نفسه يقول "مجدًا من النّاس لست أقبل". أمّا يوحنا المعمدان فكان يقول "ينبغي أنّ المسيح يزيد وأنا أنقص."

المسيح مثالنا في التواضع

آه لو نعلم كم أنّ الهنا يدفعنا للتواضع. كان هو مثالًا لنا في التّواضع، فهو الذي كان "في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلًا لله لكّنه أخلى نفسه آخذًا صورة عبد صائرًا في شبه النّاس وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتّى الموت، موت الصّليب." وكلّ هذا لأجلنا نحن الخطأة. فهل يُعقل أن يكون إلهنا متواضعًا ونكون ، نحن البشر، متكبّرين؟

الإنسان المتواضع يعرف تمامًا حقيقة نفسه. إنّه تراب مثله مثل كلّ البشر من دون استثناء كمّا أنّه إنسان خاطىء مثله مثل كلّ النّاس. كلمة الله تقول إنّ "الجميع زاغوا وفسدوا معًا ليس من يعمل صلاحًا ولا حتّى واحد" وأيضًا "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله". لذا فالمتواضع يعرف تمامًا أنّ موقعه أمام الرّبّ كإبن إنّما هو بفضل الرّبّ عليه ومن نعمته.

إنّ الكبرياء خطيّة، لذا يصعب التّغلّب عليها أو التخلّص منها بسهولة ولا بقوانا إنّما بقوّة الرّبّ. لذلك، وإلى أن نعترف بها على هذا الأساس ونترك الله يعمل فينا، في داخلنا، فلن نعرف لها حلًّا. إلى أن ننكسر ونتواضع ونعرف حقيقتنا أمام الله لن نتخلّص منها. "فتواضعوا تحت يد الله القويّة لكي يرفعكم في حينه... لأنّ من يرفع نفسه يتّضع ومن يضع نفسه يرتفع".

AddToAny