المؤمن المسيحيّ والطّموح العلميّ

الكاتب:
العدد:
السنة:

نطمح جميعًا إلى كسب المعرفة والتّحصيل العلميّ. نبدأ مسيرة التعلُّم بالاكتشاف في بيئتنا الحاضنة، ثمّ في المدرسة حيث نمضي سنواتٍ طويلةً في تحصيل العلوم في المجالَين التّقنيّ والجامعيّ. بعدئذٍ ندخل سوق العمل فتنمو شخصيّاتنا وخبراتنا من خلال التّدريب والتّميُّز. وهكذا نشقُّ طريقنا نحو هامات الطّموح العلميّ رغم التحدّيات والمسؤوليّات الجسام الّتي تعترضنا. ويبقى السّؤال الأهمّ، هل يتعارض الطّموح العلميّ مع مبادئ الإيمان المسيحيّ؟ بماذا يُفكِّر الأحداث عندما يتخرَّجون من الثّانويَّة العامّة؟ وكيف يواجهون القرارات الهامَّة التي تُحدِّد مستقبلهم الجامعيّ والعمليّ أيضًا؟ أسئلةٌ كهذه تدور في مخيَّلة الأحداث الـمُقبِلين على مستقبلٍ واعِدٍ ومضمون. الخيارات العلميَّة كثيرةٌ، والعين بصيرة أمّا اليدُ فأحيانًا قصيرة. 

 

تحدِّيات الطّموح العلميّ

أبرز تحدِّيات الجيل الصّاعِد وذويهم هو كيفيَّة مقاربة القرارات الواجب اتّخاذها بعد المرحلة الثّانويَّة. لذا أصبح الإنخراط في المجتمع الثقافيّ والجامعيّ حول العالَم مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالنّجاح في الحياة. تؤكِّد الإحصائيَّات الحديثة هذه المقارَبة كون الّذين حازوا على شهاداتٍ جامعيَّة في مقدورهم الحصول على وظائف متنوِّعة مقارنةً بالّذين لم يُحصِّلوا دراساتهم الجامعيَّة.

 

يبقى جانبٌ سلبيّ للإنخراط الجامعيّ وهو الكِلفة المادِّيَّة الباهظة الّتي يتكبَّدُها الأهل والمؤسَّسات الواهبة للمِنَح التعليميَّة. ثمّ بعد التخرّج والحصول على شهادةٍ مرموقة، يرزح كثيرون تحت ثقل الدّيون ما قد يُسبِّب أزمةً اجتماعيَّة حقيقيَّة. يقضي الخرِّيجون سنواتٍ طويلةً لوفاء ديونهم الدّراسيَّة فيُهمِلون جوانب أُخرى هامَّة في حياتهم مثل الزّواج وتأسيس البيوت المسيحيَّة والانخراط في الخدمة الكنسيَّة وبناء المستقبل النّاجح.

 

توصيات عمليَّة للنّجاح العلميّ

ماذا نفعل إزاء هذه التّحدِّيات لتوجيه الجامعيِّين الّذين يبغون النّجاح والتّطوّر؟ يجب أن نتذكّر باستمرار أنَّ التّحصيل العلميّ، التّقنيّ أو الجامعيّ، على أهميّته لا يُلغي المعرفة الّتي من الله. فهو الّذي ثقّف النّبيّ أيوب بعِلمٍ استثنائيّ لم يدركه أحدٌ من البشر آنذاك. وهو عالِم أيضًا بالرّياضيَّات والعلوم الطّبيعيَّة والفنّ والموسيقى والطّبّ والتّكنولوجيا. أنشد المرنّم، "عظيم هو ربُّنا، وعظيم القوّة. لفهمه لا إحصاء". ويجب أن ندرك أيضًا أنّ الله يدعو الجميع إلى العِلم ونوال المعرفة العمليَّة. نال الملك سليمان علمًا ومعرفةً فاقت الأمجاد الملكيّة والغنى المادّيّ. ثمّ دوّن حكمته الإلهيّة في سفر الأمثال.

 

بعد ذلك يجب أن ندرك أهميّة التّهيئة للدّخول في المعترك التّقنيّ أو الجامعيّ بحيث يتمّ بحكمة ودراية. تشير الإحصائيّات إلى أنّ 68% من خرّيجي المرحلة الثّانويّة يلتحقون بالجامعات فورًا بعد التّخرُّج. وأن 50% منهم يدرسون موادًا تحضيريّة لأنّهم ببساطةٍ غير مستعدِّين بعدُ للدُّخول في الـمُعترك الجامعيّ. يتهيّأ الطّالب المسيحيّ للمرحلة الجامعيّة حين يلتفت إلى تصريح الحكيم في سفر الأمثال، "مخافة الربّ رأس المعرفة، أمّا الجاهلون فيحتقرون الحكمة والأدب" (أم 1: 7). فإذا واجه تعاليم أو ثقافات أو فلسفات تتعارض والكتاب المقدَّس، لا يتبنّاها بل يتجنَّبها لأنّها "علمٌ كاذبُ الإسم" بعيد عن خوف الله ومعرفته.

 

ولدى اختيار جامعة للدّراسة يجب الأخذ بعين الإعتبار التّكلفة الماديّة المترتّبة. التّلميذ الحكيم يحسب النّفقة كما علّمه يسوع، "هل عنده ما يلزم لكمال" مشروع دراسته؟ التّحصيل العلميّ مكلف والاختيار المناسب سيؤثّر حتمًا لسنوات مقبلة. فمع أهميّة مقام الجامعة وسُمعتها ومستواها الأكاديميّ يجب التّنبّه من الاختيار العشوائيّ أو المبنيّ على حبّ الظّهور وإرضاء الذّات والنّاس. يصبو الاختيار الأفضل إلى القرار المتوازن والمضبوط ماليًّا وإجتماعيًّا وعلميًّا وأكاديميًّا.   

 

التّخصّص العلميّ ومشيئة الله

كيف يختار الطّالب اختصاصه الجامعيّ؟ ومن يتّخذ القرار؟ يسهل الاختيار حين نُدخل الله في قراراتنا. فمع طموح التّلميذ الذّاتيّ، ومع التّنبّه لمسألة سوق العمل والمصالح الشّخصيّة والعائليّة، من الضّروريّ اكتشاف مشيئة الله وقصده في حياتنا والدّور الّذي سيلعبه التّخصّص في خدمة الرّبّ والمجتمع. نصح بولس تيموثاوس الشّاب بالقول، "يا تيموثاوس، ٱحفظ ٱلوديعة، مُعرضًا عن ٱلكلام ٱلباطل ٱلدّنس، ومخالفات ٱلعلم ٱلكاذب ٱلإسم،  ٱلّذي إذ تظاهر به قوم زاغوا من جهة ٱلإيمان" (1تي 6: 20-21).

 

تتمحور الحياة حول التّعلُّم والتّأقلُم. فالله يريدنا أن نختبر العِلم الحقيقيّ الّذي يبني شخصيَّاتنا في سبل الحياة النّاجحة بخوفٍ ووداعة. لا يقتصر النّجاح على التّحصيل العلميّ وحسب بل بتعلّم ثقافة الكلمة الإلهيَّة ومعرفة مقاصد الله. هكذا تُثمر حياتنا في العمل الصّالح والبنّاء كأشجارٍ على مجاري المياه. إنَّ استثمار التّمييز العلميّ والتّميُّز الأكاديميّ في كَسب المعرفة لا يُثمَّن لأنَّ مردودَهُ يبقى في تربية الأجيال وتنشئتها في طريق الحياة النّاجحة والـمُمجِّدة لله.

AddToAny