المؤمن والصّيتُ الحسَن

الكاتب:
العدد:
السنة:

ما هو الصّيت الحسن؟

تعني الكلمة العربيّة في القاموس: الذّكر الحسن، والصّوت الشّديد، والنّوع الجيّد. أمّا المفرداتُ اليونانيّةُ في العهدِ الجديدِ المترجمةُ إلى العربيّةِ بصيتٍ حسنٍ أو بلا لومٍ أو له نعمةٌ لدى الشّعب فتعني جذّابًا ويستحقّ المدحَ، وأخلاقُه رفيعةٌ، ولا يُمسَك بشيء، وخضعَ للامتحان فخرجَ بدونِ شائبةٍ، ولا غبارَ على سمعتِه في كلّ مكانٍ خاصّ وعامّ. إذًا يُعرَّف صاحب الصّيت الحسن بإنسانٍ أُعلنت براءته، ولا يوجد في حياته ما يعيّره به النّاس أو يذمّونه بسببه أو يوبّخونه عليه. يكون معدنُ أخلاقِه ومبادئِه وسلوكِه من النّوع الأصيل، وصوت حياتِه أعلى من صوتِ كلامِه، ودائمًا ذكرُه للبركة في كلّ المجالس. يشتكي المنتقدون من تقواه وحياتِه المقدّسة وضميرِه الحسّاس وكلامِه الصّادق وكثرة صلاحِه. لذا يصرّحُ الكتابُ المقدّسُ بأنّ الصّيتَ أفضلُ من الغنى، وخيرٌ من الدّهن الطيّب."

 

مثال الرّسول بولس

هذا ما كانَ عليه الرّسولُ بولس، أعلنَ مرّةً أنّه يدرّبُ نفسَه باستمرارٍ ليكونَ له ضميرٌ بلا عثرةٍ من نحو الله والنّاس. صرّح في مناسبةٍ ثانيةٍ "كونوا بلا عثرةٍ لليهود ولليونانيّين ولكنيسة المسيح. كما أنا أيضًا أُرضي الجميعَ في كلّ شيءٍ غير طالبٍ ما يوافقُ نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا. كونوا متمثّلين بي كما أنا أيضًا بالمسيح" (1كو 10: 32-33). نتعلّم من مثالِه أنَّ المؤمنَ يحافظُ على صيتِه الحسن من أجلِ مجد الله. لم يكن هدف بولس من خدمتِه أن "يجتذبَ التّلاميذَ وراءه"، بل أن يرشدَهم إلى المسيح. ليست الشعبيّةُ هدفَه، ولا عقدةُ العظمةِ والكبر، بل مجدُ الله أوّلًا وأخيرًا. صرّحَ يوحنّا المعمدان، الخادمُ الأمينُ عن اقتناعٍ ويقينٍ، "ينبغي أنّ ذاك يزيدُ وأنا أنقص". وينتبهُ المؤمنُ على صيتِه أيضًا من أجلِ الخدمةِ وانتشارِ البشارة. اتّخذ بولس شعارًا له "لسْتُ أحتسِبُ لشيءٍ ولا نفسي ثمينةٌ عندي حتّى أتمّمَ بفرحٍ سعيي والخدمةَ الّتي أخذتُها من الرّبّ يسوع لأشهدَ ببشارةِ نعمة الله".

 

ويهتمُّ المؤمنُ بصيتِه الحسن من أجلِ القدوةِ ومن أجلِ خاطرِ الكنيسة. قالَ الرّسولُ بولس لقسوسِ كنيسةِ أفسس، "أنتم تعلمون من أوّلِ يومٍ دخلْتُ آسيا كيفَ كنْتُ معَكُم كلّ الزّمان. أخدمُ الرّبّ بكلّ تواضعٍ ودموعٍ كثيرة. اسهروا متذكّرين أنّي ثلاث سنين ليلًا ونهارًا لم أفترْ عن أن أُنذرَ بدموعِ كلّ واحد. فضّةً أو ذهبَ أحدٍ لم أشتهِ. في كلّ شيءٍ أريتُكم أنّه هكذا ينبغي أنّكم تتعبون وتعضدون الضّعفاء". لقد اعتبرَ أنّ الرّوحَ القدسَ أقامَه مراقبًا وراعيّا لكنيسةِ الله الّتي اقتناها بدمِه". فكانَ يخافُ على الرّعيّةِ من الذّئابِ الخاطفةِ والمعلّمين الكذبة. يبقى أنّ الصّيتَ الحسنَ مهمٌّ من أجلِ الحسابِ القادم. نالَ بولس شهادةَ براءةِ ذمّةٍ من دمِ الجميعِ لأنّه أكملَ السّعيَ وجاهدَ الجهادَ الحسنَ وحفظَ الايمان. فتيقّنَ أنّ ربَّ المجدِ سيضعُ له إكليلَ البرّ الّذي لا يفنى.

 

متطلّبات الصّيت الحسن

الصّيتُ الحسن ليس فضيلةً تولدُ في الإنسانِ وينالُها بالوراثةِ، أو شيئًا يشتريه بالمقايضةِ ويستجديه بالمطالبةِ ويركضُ وراءَه بالرّهانِ ويسعى إليه بالمغامرة. إنّه حالةٌ يكونُ فيها أو لا يكون. تتطلّبُ هذه الحالةُ أوّلًا حسَّ المسؤوليّة. قال ونستون تشرشل، "الاضطّلاع بالمسؤوليّة هو ثمنُ العظمة". يساعدُ الشّعورُ بالمسؤوليّة المؤمنَ ليؤسّسَ سلوكَه على متانةِ الخلق. ثمّ تأتي المحاسبةُ (accountability). الحياةُ، غيرُ القابلةِ للامتحانِ، لا تستحقُّ أن تُعاش. تنعدمُ، عندَ بعضِ قادةِ الكنائس ورعيّتِها، الرّغبةُ والقابليّةُ للمحاسبة. لا تمنحُ الروحانيّةُ مناعةً ضدّ النّقدِ وتقديمِ الحسابِ أمامَ النّفسِ وأمامَ الجماعةِ وبالتّالي أمامَ الله.

 

في المجالِ الثّالثِ هناك المصداقيّةُ. يعني الصّدقُ انسجامَ أقوالِ المرءِ مع أفعالِه بغضّ النّظرِ عن أماكنِ تواجدِه ومَنْ يرافقُهم. صاحبُ الصّيتِ الحسنِ يتجنّبُ قولَ نصفِ الحقيقةِ كما فعلَ الشّيطانُ مع أمّنا حوّاء. يندرجُ في قائمةِ الكذبِ الرّياءُ بكلّ أشكالِه، والخبثُ، والتملّقُ لنوالِ السّمعةِ الطيّبة. المؤمنُ المتّصفُ بالصّدقِ لا يكونُ منقسمَ الولاءِ فهذا ازدواجيّة، ولا يتظاهرُ بما ليسَ فيه فهذا نفاقٌ، وليس لديه ما يخفيه أو يخافُه لأنَّ حياتَه سجلٌّ مفتوحٌ. تترافقُ الشفافيّةُ مع المصداقيّة. هكذا يتحدّدُ الصّدقُ بمن نكونُ وليسَ بما نفعل. لأنّ مَنْ نكونُ يحدّدُ ما نفعلُ. الشّخصيّةُ أهمُّ من الوظيفةِ. ومن يعِشْ كما يحقُّ لإنجيلِ المسيح فلا يخافُ أبدًا على صيتِه.

 

الأمانة والتّأثير

المؤمنُ وكيلٌ على سرائرِ الله، ويُسألُ في الوكلاءِ لكي يوجدَ الإنسانُ أمينًا (1كور4: 1 و2). يجبُ على المؤمنِ أن يكونَ أمينًا للمسيحِ وخدمتِه، وأمينًا للكنيسةِ وصيتِها ووكالة التّبشيرِ، وأمينًا على وزناتِه ولا سيّما في وكالاتِ الوقتِ والمالِ والعائلة. هذا يشيرُ، بكلامٍ آخرَ، أنّه يتعلّمُ كيفَ يضبطُ ذاتَه. يُحكى عن فريدريك العظيمِ، ملكِ بروسيا، أنّه تجوّلَ ذاتَ يومٍ في ضواحي برلين، والتقى عجوزًا فسألَه، "منْ أنتَ؟" أجابَه العجوزُ، "أنا ملك!" ضحكَ فريدريك وسألَه مجدّدًا، "وعلى عرش أيّة مملكةٍ تتربّع؟" أجابَه الرّجلُ باعتزازٍ، "على عرشِ نفسي." يتطلّبُ التربّعُ على عرشِ النّفسِ التّحكّمَ بالذّاتِ وضبطِها. صرّحَ أحدُهم، "لا يمكنُكَ الإبحارُ في أيّ اتّجاهٍ إذا لم تستطِعْ أوّلًا الإبحارَ داخلَ ذاتِك". يجبُ على المؤمنِ أن ينضبطَ في درسِ الكلمةِ بانتظامٍ؛ ويفتدي الوقتَ بحكمةٍ ويكونَ أمينًا في استخدامِ الكومبيوترِ والإنترنت، وفي علاقاتِه الزّوجيّة، يباركُ ولا يلعن، يفتكرُ دائمًا "بكلّ ما هو حقٌّ، بكلّ ما هو عادلٌ، بكلّ ما هو طاهرٌ، بكلّ ما هو مسرٌّ، بكلّ ما صيته حسنٌ، ويكون أمينًا حتّى الموت.

 

يعتمدُ نجاحُ المؤمنِ، من ناحيةٍ على سلوكِه الشّخصيّ وعلى عاداتِه الّتي يمارسُها، ومن النّاحيةِ الثّانيةِ على ما يخلّفُه وراءَه من تأثيرٍ وإيجابيّة. يتنبّهُ باستمرارٍ لأنّه قدوةٌ وتحتَ المراقبةِ فعليه أن يعكسَ صورةَ المسيح. يتأثّرُ النّاسُ بما يقولُه وبما يرونه في حياتِه. إنّ أعظمَ وأدقَّ وأرفعَ عظةٍ يمكنُ لواعظٍ أن يعظَها هي مثالُ حياتِه. أعلى صوتِ عظةٍ هي عظةُ الحياةِ حيثُ يجسّدُ الإنسانَ في ذاتِه أوّلًا الحقائقَ والمبادئَ الّتي يعلّمُها ويدّعي بأنّه يصونُها. هذا هو الصّيتُ الحسنُ. لو يعيشُ المؤمنون حقًّا كرجالِ لله عندئذٍ لا يمكنُ للعالمِ، حتّى الأعداء والمنتقدين، إلّا أن يتأثّرَ بهم.

AddToAny