المعلّم بطرس البستاني ١٨١٩-١٨٨٣

العدد:
السنة:

إنجازات المعلّم

يُعتبر المعلّم بطرس البستاني، واحدًا من أهمّ أدباء عصر النّهضة، ورائد روّادها. لقّبه أقرانه والّذين أتوا بعده بِ "أبو التّنوير". المعلّم بطرس هو سليل الدّوحة البستانيّة الّتي أنجبت عمالقة الكتّاب والشّعراء والمفكّرين واللّغويّين، وساهموا كثيرًا بنشر الّلغة العربيّة وتحديثها وجعلها بمتناول الجميع. فأغنوا الفكر المشرقيّ والقوميّ بعقولهم النيّرة. تميّز عن غيره من البساتنة بنجابته وسعة علمه ومعرفته وصيرورته أعظم أدباء لغة الضّاد. فكان الأديب والعالم اللّغوي والمترجم والمفكّر السبّاق لعصره لا سيّما في المطالبة بتثقيف النّساء ومساواتهنّ بالرّجال. وكان الوطنيّ المنادي بالدّولة المدنيّة واحترام الأديان السماويّة، والخطيب الّذي دعا أبناء بلده لنبذ الحقد والتّفرقة والخلافات الطائفيّة. وهو مِن  أوائل مؤسّسي الصّحف والمجلّات الحرّة لتنقل فكره للآخرين. وقد أنشأ المدرسة الوطنيّة الّتي نشرت حبّ الوطن والوحدة بين كلّ مكوّنات المجتمع إلى أيّ دين أو طائفة انتموا.

 

ولعلّ الإنجاز الأكبر الّذي حقّقه للّغة العربيّة، إلى جانب ترجمته للكتاب المقدس من لغاته الأصليّة، هو قاموس "محيط المحيط"، أشهر كتبه وقد شكّل في حينه معجزة المعجزات اللّغوية، وسيبقى لأمد طويل أهمّ مرجع أغنى لغة الضّاد.

 

أفكار المعلّم

يفيد كثيرّا التوقّف عند بعض الأفكار الّتي نادى بها المعلّم، أكثر الأدباء غزارة والمفكّرين رُقيًّا في لبنان وكلّ دنيا العرب. ابتعد، في تعبيره عن أفكاره قدر الإمكان، عن الكلمات الصّعبة والمفردات المعقّدة، وهو الضّليع بلغة الضّاد والعالم بكلّ خفاياها. لم يسعَ في خطبه وكتاباته لإبراز سعة علمه وعمق معرفته، بقدر ما أراد منها حمل أفكاره إلى السّواد الأعظم من أبناء جلدته فتكون سهلة الفهم والتّطبيق للجميع. وهكذا في خطبه للنّساء مثلًا، لم يقصد مجرّد التّعبير عن رؤيته وحسب إنّما دعوة النّاس إلى تنفيذ تعاليمه والنّساء إلى أخذ حقوقهنّ في العلم والمعرفة.

 

أطلق المعلّم بطرس شعارًا على صدر مجلّة الجنان بلغة سهلة وأسلوب بسيط سرعان ما تجذّر في ذهن النّاس، مفاده "حبّ الوطن من الإيمان". اشتهر بالتّواضع والوفاء وحبّ البساطة وبانفتاح القلب وصدق العاطفة وسعة الصّدر. قدّم النّصح من دونِ منّةٍ أو كبرياء. فتح قلبه لكلّ طالب علم ومعرفة. لم يبخل بأفكاره ولم يخشَ أن ينقلها النّاس عنه. شكّل خزّان فكر لا ينضب؛ وإذا نطق بفكرة تكون المئات منها جاهزةً في ذهنه. وقد عُرف بارتجاله الخطب في شتّى المناسبات ومختلف الظّروف. فبنات أفكاره تسبق لسانه بالتّعبير. كان مفكّرًا يؤمن بما يقول ويقول ما يؤمن به، وهي صفة تميّز بها معظم الأدباء والمفكّرين البساتنة. إنّها وليدة اضطّلاع عميق ومعرفة شاملة تمكّنهم من الولوج والاستنتاج وأخذ العبر من أيّ موضوع يتطرّقون إليه.

 

كان المعلّم بطرس البستاني لا يعيش مع العلم والمعرفة فقط بل كان العلم دائمًا برفقته. أفنى عمره بدون كللٍ أو ملل، وبصورة شبه دائمة، واصلاً نهاره بليله على ضوء شمعة أو قنديل، مواظبًا على الإبداع والكتابة. وكأنّه كان خائفاً من انتهاء عمره قبل إنجاز ما بدأه. وهذا ما حصل بالفعل. عاش المعلّم حوالي  ٦٤ عامًا، ولد في الأوّل من أيار ١٨١٩، وتوفّي في أوّل أيار ١٨٨٣. لم يستطع إنهاء "دائرة المعارف" الّتي كتب منها ستّة أجزاء ووضع إبنه سليم الجزئين السّابع والثّامن، وتوفّي شابًّا بعد سنة من رحيله. ثمّ أكمل السّلسلة إبنه الثّاني نجيب بالتّعاون مع نسيبه العلّامة سليمان البستاني، فبلغا الجزء الحادي عشر حتّى العام ١٩٠٠. من ثمّ تابع كتابتها في عصرنا الحاضر العلّامة فؤاد أفرام البستاني. نشر منها ستّة أجزاء لغاية وفاته وذلك بالتّعاون مع وزارة الثّقافة والدّولة اللبنانيّة.

 

فصل الدّين عن الّدولة

آمن المعلّم بطرس بالدّولة العصريّة فأطلق مبدأها الحصريّ الّذي تقوم  على أساسه، وهو "فصل الدّين عن الدّولة". تعارض هذا المبدأ بشدّة مع المبادئ الّتي قامت عليها الدّولة العثمانيّة، لا سيّما بعد سقوط القسطنطينيّة في العام ١٤٥٣ على يد محمّد الثّاني. وقد استمرّ حتّى وصول أتاتورك إلى سدّة الحكم. لذا لم يذهب المعلّم إلى العلمنة الشّاملة علمًا أنّ أفكاره كانت تشير إلى هذا المنحى لديه. ولكن مجرّد المناداة بفصل الدّين عن الدّولة كان يعدّ إنجازًا كبيرًا آنذاك.

 

 للمعلّم بطرس البستاني مخطوطات تتضمّن خطبًا كثيرة لم تُنشر في حينه لأسبابٍ عديدة. يقال أنّ مكتبة نسيبه، العلّامة سليمان البستاني مترجم الإلياذة، كانت تحتوي على عدد منها. يقع مبنى هذه المكتبة العظيمة في منطقة بكشتين في بلدة الدبّية موئل المعلّم بطرس والقسم الأكبر من البساتنة. لا يزال ما بقي من بناء المكتبة الكبير شاهداً عليها حتى الأن. وقد أحرقت ونهبت محتوياتها إبّان الحرب الأهليّة في العام ١٩٧٦. ويأمل الباحثون العثور عليها أو على بعضها.

 

تكريم المعلّم

لم يلقَ المعلّم بطرس البستاني التّكريم الذّي يستحقّه. بعد وفاته مباشرة جرى تكريس جائزة سنويّة باسمه أعلنها المجمع العلميّ الشّرقي في العام ١٨٨٥ بإسم "الجائزة البستانيّة"، على أن تمنح لأفضل مقال حول موضوع معيّن يقترحه المجمع. لكنّ المجمع ما لبث أن فرط عقده وتشتّت أعضاؤه فلم تُبصر الجائزة النّور. لذا نتطّلع بشغف إلى يوم تكريمه في الثّاني من أيّار المقبل في الذّكرى المئويّة الثّانية لولادته. سيقام في بيروت مهرجانٌ ثقافيٌّ كبيرٌ تحضره شخصيّات فكريّة وأدبيّة ودينيّة وأكاديميّة من مختلف أنحاء العالم. إنّه فخر للبنان أن يُصار إلى تكريمه وإعادة إحياء تراثه ونشر كتبه وخطبه وتعاليمه. سيحتفل عدد كبير من دور العلم والثّقافة بهذه الظاهرة الحضاريّة. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الجامعة الأميركية في بيروت والحركة الثّقافيّة في أنطلياس. كذلك هناك نشاط مميّز ستقوم به "جمعيّة المعلّم بطرس البستاني الثّقافيّة والفكريّة والإجتماعيّة" الّتي أنشئت خصّيصًا لنشر تراث المعلّم وأفكاره النيّرة.

AddToAny