الموت الرّحيم، أم القتل الرّحيم، أم الموت بكرامة؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

يُعتبَر قَتل النّفس من أبْشع الجرائم التي يُعاقب عليها القانون لأنها تُقتَرف ضِد إرادة المجني عليه، أو على غير علمٍ منه،

كذلك تُعتبر الجريمة إعتداءً مباشراً أو غير مباشر على المجتمع. لكن، في بعض الأحيان، قد تُرتكب أفعال جرمية بموافقة المَجني عَليه، كحالة شخص مصاب بمرض ميؤوس من شفائه ويعتصره الألم، فيطلب من الطّبيب المعالج أو من أحد المقرّبين إليه أن يضع حدًّا لحياته وآلامه، أو في حالة شخصٍ متوفٍّ دماغيًّا ووصل مرحلة اللاعودة، فيأخذ، إذن، أولياءه القرار بإيقاف أجهزة الإنعاش فيتوقّف تنفّسه وقلبه.

القتل الرّحيم بين التأييد والمعارضة

للقتل الرّحيم، ويسمّى أيضًا القتل إشفاقًا، أو للإنتحار بمساعدة الغير، معارضون ومؤيّدون، فالمعارضون يشيرون إليه بالعلاقة المسبّبة لوَفاة المريض من قبل طبيب، أمّا أنصاره فيرَون فيه رعاية ملطّفة من شأنها التّخفيف من المعاناة المستعصية على الحلّ. وللحياة حرمةٌ في الدّيانات لأنّها هديّةٌ من الخالق لا يحقّ لأحدٍ غير الله أن يتصرّف بها، والموت الجسديّ لا مفرّ منه بالنّسبة إلينا نحن البشر. "أَيُّ إِنْسَانٍ يَحْيَا وَلَا يَرَى ٱلْمَوْتَ ؟ أَيٌّ يُنَجِّي نَفْسَهُ مِنْ يَدِ ٱلْهَاوِيَةِ ؟" فالله هو صاحب السّيادة الذي يقرِّر كيف ومتى يموت الإنسان، "لَيْسَ لِإِنْسَانٍ سُلْطَانٌ عَلَى ٱلرُّوحِ لِيُمْسِكَ ٱلرُّوحَ، وَلَا سُلْطَانٌ عَلَى يَوْمِ ٱلْمَوْتِ". فالقتل الرّحيم والإنتحار المدعوم هما محاولة الإنسان اغتصاب هذه السّلطة من يد الله.

موقع القتل الرّحيم في القانون اللبنانيّ

نشير بدايةً إلى أنّ بعض الدّول لديها تشريعات مختلفة تسمح بالقتل الرّحيم، إذا كان بإرادة المريض، وله ما يبرّره في حالات مرضيّة مستعصية لا أمل لها بالشفاء طبيًّا. ومن تلك الأمراض الكوما في درجتها القصوى، والسّرطان القاتل المُسبّب لأوجاعٍ أليمة، والموت الدّماغيّ.

أمّا "قانون العقوبات اللبنانيّ" فقد أبقى على الصّفة الجرميّة لقتل المريض قصدًا بعامل الشّفقة، بناءً على إلحاحه، ولو أنّ هذا الفعل يبقى مختلفًا من حيث تبعاته عن القتل العادي. وقد أكّد "قانون الآداب الطبيّة" هذا المنحى فاعتبر أنّ مهمّة الطّبيب تنحصر بتخفيف آلام المريض المُصاب بمرض ميؤوس من شفائه وبإعطائه العلاجات اللازمة للحفاظ، قدر الإمكان، على حياته. فالموت هو حدث طبيعيّ، وفِي بعض الأحيان يسمح الله بأن يعاني الشّخص لفترة طويلة أو قصيرة قبل موته، ولم يُعطِ الحقّ للإنسان بأن يُنهي حياته.

طلب الحكمة من الله

أحيانًا يُعلن الله مشيئته من خلال الألم ونتعلّم من الضّيّقات الصّبر. والله يعطي هدفًا للحياة حتّى نهايتها، وهو وحده يعلم الأفضل. وتوقيته، حتّى في مسألة الموت، دائمًا هو الأفضل. وإن كان علينا ألّا نسعى لإنهاء الحياة قبل أوانها، نسأل: هل نستمرّ ببذل الجهود المُكثّفة والمبالغة باستخدام الوسائل التقنيّة والعلاجات للحفاظ على حياة مريض قد مات فعليًّا موتًا سريريًّا كما في حالة موت الدّماغ؟ يقول "قانون الآداب الطبّية" أنّه "يستحسن عدم اللجوء إلى الوسائل التقنيّة والمبالغة في العلاج وذلك بموافقة الأهل وبناءً على تقرير مُشترك من الطّبيب المُعالِج ورئيس القسم المَعني، على أن يبقى من الضّروري إعانة المريض حتّى النّهاية بشكلٍ يحفظ لهُ كرامتهُ".  على من يُواجه هذا القرار، بخصوص أحد أحبّائه، أن يُصلّي طالبًا الحكمة من الله لاتّخاذ القرار المناسِب.