الهبة العظمى للعالم

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

وعد يسوع تلاميذه أنّه حالما يغادرهم إلى السمّاء يرسل إليهم هبةً عظيمة. "خير لكم أن أنطلق. لأنّه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزّي. ولكن إن ذهبت أرسله إليكم" (يو 16: 7). يقول يسوع إنّ حالتهم في حضور الرّوح القدس ستكون أفضل من وجوده بينهم في الجسد. لم يكن سهلًا عليهم إدراك هذه الحقيقة، أن يرحل ليربحوا. اضطربوا لمجرّد الفكرة، لكنّ يسوع وضع لها ثقلًا بإضافته، "أقول لكم الحقّ".

 

قيمة الهبة

الرّوح القدس شخصيّة هامّة. يسيء البعض فهمه، وآخرون يتجاهلونه. إنّه الأقنوم الأقلّ معرفة وتقديرًا واهتمامًا. يتحدّث عنه يسوع كشخصيّةٍ قائمةٍ بذاتها، وليس كشيء جامد، ريح أو قوّة، لكن ككائن. وهنا تكمن قيمة هذه الهبة العظيمة. إنّه مساوٍ للآب وللإبن، إنّه الله. وصفه يسوع بالمعزّي "الآخر"، أي من نفس النّوع والمواصفات والجوهر. وكشخص يمكن إحزانه فيتألّم، ويمكن إطفاؤه فيتنحّى عن العمل، ويمكن أن يُكذَب عليه، كما فعل حنانيا وسفيرة، فيتصرّف. الأمر العجيب أنّ الرّوح القدس لا يروّج لنفسه ولا يصنع له إسمًا ولا يؤسّس طائفة له؛ عمله الوحيد أن يشهد للمسيح، ويُعلن رسالته، ويرشد النّاس إليه، ويدعم كنيسته.

 

قوّة الهبة

أطلق يسوع على الرّوح القدس صفة "المعزّي". تعني الكلمة اليونانيّة "باراقليتوس" المعين والمساعد والمرافق والمصاحب ومحامي الدّفاع. إنّه أعظم صديق للمؤمن على الأرض. يرافقه طوال رحلة حياته، يوجّهه في كلّ دقيقة، يشجّعه ليكمل مسيرته، يعلّمه كل ما يحتاج معرفه. لذا من الصّعب عيش الحياة المسيحيّة بدون حضوره الدّائم. حتّى يسوع عاش وخدم بقوّة روحه القدوس في أيّام تجسّده. لم يأتِ ابن الله إلى العالم إلهًا في ثوب إنسان وحسب، بل جاء إنسانًا ليتمّم كلّ مطاليب البرّ الإلهيّ. فعاش نوعًا من الحياة ممكنة بقوة الرّوح.

 

دوام الهبة

يأتي الرّوح القدس إلى الإنسان في لحظة لقائه المسيح وولادته من فوق بالنّعمة. بعدئذ لا يفارقه أبدًا. قال يسوع، "وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزّيًا آخرَ يمكث معكم إلى الأبد" (يو 14: 16). من له الرّوح القدس له ابن الله، والعكس صحيح. يحصل المؤمن على الإثنين معًا. لا يمكن الحصول على واحد منهما فقط. من ينال المسيح ينال روحه. لذا كان من الخير أن ينطلق.

 

منذ صعود يسوع صار حضر الرّوح القدس دائمًا. في جسده البشريّ المحدود، لم يكن باستطاعة يسوع التّواجد سوى في مكانٍ واحدٍ في المرّة الواحدة. لكنّ الرّوح القدس يحضر مع كلّ المؤمنين في الوقت نفسه وأينما كانوا.

 

عمل الهبة في الخطأة

يشير العهد الجديد إلى خدمة الرّوح الحاجزة (2تس 2: 7)، وخدمته المجدِّدَة (يو 3: 5)، وخدمته المبكّتَة (يو 16: 7-15). يقتصر الحديث الآن عن عمله كمبكِّت. ثمّة اتّجاهان في التّبكيت، التّوبيخ والإقناع. الرّوح القدس يدين الإنسان بوخز ضميره ليدرك أنّه مذنب في نظر الله، ويقنعه بحاجته إلى الحقّ فيقوده إلى المسيح ليحرّره من خطاياه. تتضمّن خدمةُ التّبكيت الخطيّةَ والبرَّ والدّينونة.

 

التّبكيت على الخطيَة

يوبّخ الرّوح القدس النّاس على خطاياهم الشّخصيّة الّتي لا تمجّد الله. لأنّهم تعدّوا شريعته وكسروا وصاياه وشردوا عن طريق الصّواب. ينكر المرء فعله الخطيّة حتى يبكّته الرّوح فيعترف بذنبه. هذه العمليّة ليست ملذّة لكنّها ضروريّة وتجلب بركةً من عند الرّبّ. ومن ثمّ يقنعه بأنّ الخطيّة العظمى الّتي ترسله إلى الجحيم هي عدم الإيمان بيسوع المخلِّص الوحيد الّذي مات بدلًا منه، وأنّ خطاياه تُغفر عندما يؤمن به.

 

التّبكيت على البرّ

يفتقر الإنسان إلى البرّ المقبول أمام الله. كلّ ما لديه برّ ذاتيّ بشريّ، وبرّ أعماله الإنسانيّة وصلاحه في عيني نفسه. يوبّخه روح الله بأنّها غير لائقة، وغير كافية، وغير مقبولة، وتنتهي عند موته. ويقنعه بأنّ الله يرضى فقط ببرّ يسوع الّذي دفع ثمن خطاياه بموته على الصّليب فضمن البرّ لكلّ إنسان. ثمّ أثبتت قيامته أنّ الآب قَبِل كفّارته، وبه يتقدّم بثقة إلى عرش النّعمة لينال رحمة ويجد معونة. يقنع الرّوح الإنسان أنّ له رجاء في المسيح لكي لا يهرب منه بل يهرع إليه.  

 

التّبكيت على الدّينونة

الدّينونة قادمة لا محالة. قد يسخر امرؤٌ من حقيقة الجحيم ويتهكّم بها، وقد يرفضها. لكنّه يدرك في قرارة نفسه أنّه إذا غادر الأرض بدون يسوع سيعيش بدونه في الأبديّة، وهذا هو الجحيم. يقنعه الرّوح بأنّه مسؤول شخصيًّا أمام الله وسيحاسبه ويدينه على الخطيّة وانعدام البر. يؤكّد له أنّ يسوع حمل دينونة الخطيّة ومات حاملًا عقابه. فأباد سلطان إبليس على الخطيّة والموت. وصار بإمكانه التحرّر منهما ونوال مغفرة الخطايا والحياة الأبديّة.

 

عمل الهبة افي المؤمنين

الرّوح القدس نشيط جدًّا في حياة المؤمنين. يسكن فيهم ويعيش في قلوبهم. يرغب في أن يملأ حياتهم بحضوره وقوّته ويمجّد المسيح في عبادتهم وخدمتهم وسلوكهم. حاضر فيهم ليوجّههم في طرق الله ومشيئته وكلمته، وليرشدهم إلى كلّ الحقّ. وعد يسوع تلاميذه قائلًا، "ستنالون قوّةً متى حلّ الرّوح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا". حوّلتهم الهبة العظمى من مجموعة مرتعبة قابعة في العلّية إلى فريق عمل فتن المسكونة بإسمه فانتشرت المسيحيّة من أورشليم إلى أقصى الأرض. الرّوح القدس أيضًا يقسم المواهب الرّوحية على أولاد الرّبّ في الكنيسة.

 

يبقى التّشجيع من أهمّ أعمال الرّوح المبارَكَة في المؤمنين. قال يسوع لتلاميذه المضطّربين، "لا أترككم يتامى إنّي آتي إليكم". إنّه يعرف كلّ تجربة يواجهونها وكلّ امتحان إيمان يجتازون فيه. فيدعمهم ويعينهم ويرعاهم ويحفظهم ويحميهم في كلّ مصاعب الحياة وأوقاتها العصيبة.

 

يجب على المؤمن أن يعيش حياته معتمدًا على الرّوح القدس لكي يستفيد من كلّ خدماته المجيدة. وعليه أن ينمو، ولو تدريجيًّا، في النّعمة ومعرفة المسيح وكلمته المقدّسة. كان خير للتّلاميذ والعالم أن ينطلق المسيح ويرسل لهم هذه الهبة العظمى والثّمينة.

AddToAny