الوداع في رحلة الإغتراب

العدد:
السنة:

الوداعُ هو أكثرُ ما يؤلمُ في هذه الحياة! يخشى كلُّ محبّ خسارةَ من تعلّقَ بهم وحسبَهم مصدرَ سعادتِه وسببَ كفاحِه للبقاءِ والاستمراريّة. حينَ نُبحرُ في محيطِ العلاقاتِ نجدُ مشاعرَ متناقضةً من الخوفِ والسّلامِ، تتماوجُ مع رياحِ المرضِ وتدهورِ الأحوالِ الإقتصاديّة، تعلو ثمّ تنحدرُ بشدّةٍ مع فقدانِ العمل. يا لها من دوّامةٍ صامتةٍ ما انفكّت تلازمُ كلَّ بشريٍّ في أيّ مجتمع!

 

ثمّة فراقٌ يخيّبُ أملَ اللّقاءِ الأرضيّ. ينشرُ سوادَه في كلّ مناسبةٍ ويملأُ المقَلَ بدموعٍ حارقةٍ. يهاجرُ محبٌّ فيفارقُنا محدثًا فراغًا عاطفيًّا أليمًا. هل تتمكّنُ ،يا تُرى، وسائلُ التّواصلِ الاجتماعيّ من التّخفيفِ من حدّتِه؟ 

 

ما أشدَّ قلقَ الأهلِ لرؤيةِ أبنائِهم يتصارعون مع المرضِ على فراشِ العجْزِ؛ تارةً يخطفُهم وطورًا يعيدُهم في حالةِ تلازمِهم يوميًّا فتثقلُهم بهمّ لا أجلَ له. وما أقسى الخيباتِ المتلاحقةَ في اختبارِ مغتربٍ يمضي قدُمًا في سعيٍ حثيثٍ لتحقيقِ ذاتِه اللّاجئة! سافرَ بي هذا المشهدُ إلى أبي الأسباطِ الإثني عشر، يعقوب، حينَ صرّحَ، "أيّام سني غربتي مئة وثلاثون سنة". لقد حسِبَ نفسه غريبًا في الأرضِ منتظراً وصولَه إلى موطنِه السّماويّ الأبديّ.

 

كم نرجو ونطلبُ في هذه الأيّامِ العصيبةِ سرعةَ مجيءِ الرّبّ يسوع فتنتهي غربتُنا ونعود إلى موطنِنا. إنَّ أوقاتَنا المجبولةَ بآلامِ الزّمانِ الحاضرِ لا يمكنُ احتمالُها إلّا في حضورِ الرّبّ يسوع معنا إلى يوم لقياه؛ "مارانْ أَثَا"!

AddToAny