بطرس البستاني: رجل نهضات خدم جيله

العدد:
السنة:

تأتي المئويّة الثّانية للمعلّم بطرس البستاني هذا العام وأراني أهتمّ بها من باب العرفان بالجميل له من جهة، ومن باب تقديم مثال مجلّ أمام القرّاء، وخاصّة جيل الشّباب، علّهم يأخذونه قدوةً لحياةٍ ناجحة، وذلك عملاً بوصيّة العهد الجديد: "اذكروا مرشديكم الّذين كلّموكم بكلمة الله. انظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثّلوا بإيمانهم." (عب 13: 7).

 

البدايات: من تحت السّنديانة إلى بيروت

وُلِد المعلّم بطرس البستاني في العام 1819، في زمن صعب يشبه زمننا، حيث عانت البلاد من الضّيق الاقتصاديّ وعدم الاستقرار والثّورات بين عامي 1840 و 1860. درس البستاني أوّلاً تحت السّنديانة في قريته الدبيّة، وكان ذكيًّا وذا ذاكرة قويّة، وانتقل بعد ذلك إلى مدرسة عين ورقة الشّهيرة حيث درس قواعد اللّغة العربيّة والسريانيّة واللّاتينيّة والتّاريخ والجغرافيا والحساب واللّاهوت والفلسفة والقانون. وبينما نتأمّل في حياته نقول، ليس المهمّ ما يدرس الإنسان، الأهمّ هو ماذا سيفعل بما يدرسه!

 

يبقى المعلّم بطرس البستاني مثالاً لشباب اليوم يتعلّمون منه كيف يشقّون طريقهم ويصنعون مستقبلهم. لم يكن اتّكاليًّا ولا كسولاً بل كان مبادرًا ومغامرًا وطموحًا لا يخاف من مواجهة الحياة. نزل إلى بيروت في العام 1840 حيث قصد البعثات الإنكليزيّة والأميركيّة إذ ظنّ أنّ معرفته باللّغات تؤهّلُه لأخذ وظيفةٍ مناسبةٍ لديها.

 

إيمان بطرس البستاني

كان بطرس البستاني منفتحًا وراغبًا بتحسين قناعاته الفكريّة والفلسفيّة والإيمانيّة. ففي بيروت، وبينما كان يعمل مع المرسلين الأميركيّين، وبخاصّةٍ مع الدّكتور عالي سميث، على ترجمة الكتاب المقدّس تحوّل إلى البروتستانتيّة في العام 1841.

 

وكان بطرس مستمعًا ومحاورًا عميقًا، يبحث عن الحقّ بإخلاص ووجده في الإنجيل الّذي درسه بتعمّق، واحترف تفسيره، وواظب على تعليمه والتّبشير به فترك الأثر الطيّب بالمحيطين به. والله باركه بنهضة روحيّة حقيقيّة فدعا لتأسيس الكنيسة الإنجيليّة النّاطقة بالعربيّة في بيروت عام 1847. وخدم فيها كأمينٍ للسّر طوال 38 سنة. أحبّ بطرس المسيح ولم يهملْ حياته الروحيّة رغم كلّ نجاحاته وعاش له وخدمه بأمانة.

بطرس المعلّم النّاجح

احترف بطرس التّعليم وتفوّق به. سهر اللّيالي ليضع المنهاج الّذي كان يُعلّمه في النّهار. فكان من روّاد واضعي البرامج التعليميّة الكاملة والحديثة. ترافق مع الدّكتور كرنيليوس فاندايك لتأسيس مدرسة في عبيه في العام 1846. ثمّ أسّس أوّل مدرسة وطنيّة في زقاق البلاط (1863)، الّتي ضمّت طلّابًا ومعلّمين من كلّ الطّوائف. وشارك في تأسيس الكليّة الإنجيليّة السّوريّة (الّتي سُمّيت فيما بعد الجامعة الأميركيّة في بيروت). حارب الأُمّيّة والجهل، وطالب بتعليم المرأة، واهتمّ بتعليم تلاميذه اللّغات ومنها العربيّة والتركيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة واليونانيّة واللاتينيّة، وحرِصَ عليهم أن يأخذوا أفضل الوظائف. ووسّع بطرس البستاني دائرة عمله فتعاون مع صديقه المعلّم سليمان الصّليبي والمرسل هنري جسب في تأسيس 15 مدرسة إنكليزيّة. وقام بوضع أوّل موسوعة عربيّة سماها "دائرة المعارف"، ووضع أوّل قاموس عربيّ عصريّ مُطوّل، وألّف عددًا كبيرًا من الكتب القيّمة ونشرها.

 

فلسفة العمل عند بطرس البستاني

ونسأل: ألم يشعر بطرس بالتّعب؟ ألم يحبّ الإسترخاء؟ متى كان يجد كلّ هذا الوقت ليعمل؟ عرف البستانيّ أنّ الله وهبه وزنات وائتمنه عليها، فتاجر بها وربح كما علّم الربّ يسوع المسيح في قوله: "ينبغي أن أعمل أعمال الّذي أرسلنِي ما دام نهَار. يأتي ليل حين لا يستطيع أحد أن يعمل" (يو 9: 4).

 

أمّا نجاحاته وكثرة إنتاجه فكانت بسبب فلسفة الحياة الّتي تبنّاها. كان نشيطًا مؤمنًا بالمثابرة والعمل. لم يكن خمولاً ولا اتّكاليًّا ولم يضيّع وقته سُدىً. وكان أيضًا رياديًّا في العمل والانضباط والانفتاح على كلّ جديد، لم يكلَّ من خلق المبادرات وتحقيق الإنجازات. تمسّك المعلّم بطرس البستاني بما قاله بولس الرسول: "وكلّ ما فعلتم، فاعملوا من القلب، كما للرّبّ ليس للنّاس" (كو 3: 23).

 

وهو انطلق من التّعليم ليعمل في التّأليف والتّرجمة والصّحافة. فأسّس جريدة "نفير سورية" (1860) وسلسلة من المطبوعات. أنشأ بعد ذلك، مطبعة في العام 1867 وأشرف عليها 15 سنة. التزم بطرس البستاني بالكلمة المسؤولة والمحترمة. لم يتفوّه بالسّفاهات والقباحة، بل آمن بقول الحقّ والكلام البنّاء الّذي يحارب الضّغينة والحقد والطائفيّة ويوثّق عرى المواطنة والأخوّة والسّلام بين الناس.

 

حبّ الوطن عند بطرس البستاني

وكان بطرس البستاني من الوطنيّين الّذين قاوموا التّتريك وروّج فكرة الوطن والأمّة بمفهومها الحديث. وكان أحد روّاد النّهضة الوطنيّة والعربيّة. حفظ اللغة العربيّة وطورّها، ونادى بحبّ الوطن، والابتعاد عن الطائفيّة رافعًا شعار "الدّين لله والوطن للجميع"، و"الطّائفيّة سمّ قاتل للبنان"، في زمن عانت فيه البلاد من حكم الأجنبيّ والخلافات الداخليّة والحروب الأهليّة.

 

ونلاحظ في سيرة حياته أنّه أحاط نفسه بخيرة الشّرفاء والمتعلّمين والنّاجحين والأصدقاء المميّزين أصحاب الأخلاق الّذين عملوا معاً لخير البلاد ونفوسهم. وانضمّ إلى الجمعيّة العلميّة السّورية مع نخبة من أهل العلم والفكر والأدب في أيّامه. كان من بينهم الطّبيبين عالي سميث وكورنيليوس فاندايك، الّذي ترجم معهما الكتاب المقدّس إلى العربيّة. والطّبيب جورج بوست من مستشفى الكلّيّة الإنجيليّة السّورية، ويوحنا وورثبات وكان طبيبًا ومبشرًا وأستاذًا ومؤلفًا. ومن الوطنيّين كان الشيخ أحمد عبّاس الأزهري والشّيخ يوسف الأسير وعبدالله البستاني وأسعد الشّدياق والشّيخ ناصيف اليازجي وابراهيم اليازجي وغيرهم.

 

حياة مثمرة ومآثر عظيمة

توفّي المعلّم بطرس البستاني في الأوّل من أيّار 1883، على أثر نوبة قلبيّة بينما كان يكتب. سار في دفنه الآلاف. وقيل فيه الكثير وهو "العالِم العامِل"، والّذي "كان سبّاقاً إلى كل مأثرة." وبينما كنت أحاول تعداد مآثره وجدْتُ أنَّه ترك الكثير ومنها: كنيسةً، ومدرسةً وطنيّةً، ومدارسَ، ومطبعةً وكتبًا وجريدةً ومجلاتٍ، وترجمةً للكتاب المقدّس، وقاموسًا وموسوعةً علميّةً، وجامعةً، ووعيًا وطنيًّا ونهضةً فكريّة.

 

خدم المعلّم بطرس البستاني جيله بشكل مباشر وأجيال أخرى كثيرة بأشكالٍ متنوعّةٍ. نتأمّل في حياته فنذكر رجلًا آخرًا عظيمًا ألا وهو المرسل وليام كاري الّذي ذهب إلى الهند وعمل عملاً روحيًّا وتربويًّا جبّاراً فيها، وكان شعاره: Aim High Achieve High الّتي يمكن ترجمتها بِ "أطلب العُلى وحقّق الكثير". هذا مسعى الكبار وجزاء العظماء. وهذا ما فعله المعلّم بطرس البستاني في هذه البلاد وما منّ عليه الله من بركات. هل يُمكن أن نرى في سيرته ما يتحدّانا ويجعلنا نسير في خطاه؟

AddToAny