بولس الرسول ووحي الكتاب المقدّس

العدد:
السنة:

يتباين اللاهوتيّون المعاصرون حول الموقف من وحي الكتاب المقدّس، ومعظمهم لم يعُدْ يؤمن بالوحي الإلهيّ لنصّ الكتاب المقدّس. وعلى عكس هؤلاء، يتبنّى بولس الرّسول موقفًا مُحافظًا من الوحي إذ يقول "كلُّ الكِتابِ هوَ مُوحىً بِه مِنَ الله" (2 تي 3: 16). ما يقصده ب"كلُّ الكتاب" هو "كلُّ المخطوطة" أو "كلّ الكتابة" (أو باليونانيّة Graphe) وما تتضمّنه من أحرف وكلمات أعطاها الله جميعًا. وقد استُخدمت لتصف "الكتب المقدّسة" والمقصود بها العهد القديم الّذي أضيف إليه فيما بعد كتب العهد الجديد.

ومن يدرس الكلمة "موحًى به من الله" أو باليونانيّة Theopneustos دراسة لغويّة دقيقة، يراها تعني أنّ الأسفار المقدّسة أُخرِجَت أو تَنَفّسَ بـها الكيان الالهيّ بفعل تنفُّس (زفير) ونطق مشترك في الوقت نفسه، تـمامًا كما يـحصل النّطق البشريّ بفعل تنفّس يبدأ من الدّاخل ويـخرج من الفم. هذا من دون أن ننسى أن "نَفَس الله" في الكتاب المقدّس هو عمل إلهيّ قويّ يـخلق ويُـحيي ويُعقّل (مز 33: 6 وأي 32: 8؛ 33: 4). إذًا، الكتاب المقدّس هو كلام فَمِ الله المحيي. هذا هو تـمامًا ما عناه يسوع عندما قال "ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَـحيا الانسان، بَلْ بِكلِّ كَلِمةٍ تَخرُج مِن فَمِ الله" (مت 4: 4).

كما نـجد في هذه العبارة ثلاثة عوامل تُساعدنا في فهم موضوع وحي الأسفار المقدّسة. هناك عامل أوّليّ، وهو المُسبّب لعمليّة الوحي، ألا وهو الرّوح القدس، وهناك عامل ثانٍ، وهو الإنسان الكاتب، أيّ الأداة الّتي استخدمها الرّوح القدس، وهناك نتاج الوحي، وهو الاعلان الإلهيّ المُعطى بالمخطوطة المدعوم والمؤيّد والمُصدّق عليه بالعجائب والنبوّات وقوّة الله. هذا النّتاج هو موحى به بكامله وبأجزائه من الرّوح القدس. أمّا الهدف من الوحي فهو مُساعدة المؤمن على أن يكون كاملًا وعاملًا بالكلمة.

وهكذا نرى أنّ بولس آمن بأنّ الكلمات الّتي أُعطيت له كانت بعمل وبإعلان الروح القدس الخاص والمباشر له "ولكِنَّ الروحَ يقولُ صريـحًا" (1 تي 4: 1)، كما سبق وحصل مع الأنبياء أو مع سائر الرّسل في عمليّة تدوين كلمة الله. "الّذي في أجيالٍ أُخَرَ لَمْ يُعرّفْ بهِ بنو البشرِ، كما قد أُعلِنَ الآنَ لرُسِلِهِ القدّيسينَ وأنبيائهِ بالرّوحِ" (أف 3: 5). وشدّد على أنّ كلامه وكرازته لم يكونا بكلامِ الحكمةِ الإنسانيّة المُقنِعِ، بل ببرهانِ الرّوحِ والقوّةِ. لكي لا يكونَ إيـمان المؤمنين "بـحكمةِ النّاسِ بل بقوّةِ اللهِ" (1 كو 2: 4-5).

كما آمن بأنّ كلمات الكتاب المقدّس متساويةٌ ومتطابقةٌ مع كلمات الله شخصيًّا. ففي غلاطيّة 3: 8، 22، "يُـجسِّد" بولس، أو "يُشخّص" (يـجعله كشخص Personification) الكتاب المقدّس، ويـجعله يتكلّم بديلًا عن الله وكأنّه الله شخصيًّا: "والكِتاب إذْ سَبقَ فَرأى أنَّ الله بالايمانِ يُبَرِّر الأمَم، سَبقَ فَبشَّر إبراهيمَ أنْ فيكَ تَتبارَكُ جَميعُ الأمَم... لكنّ الكِتابَ أَغلَقَ على الكلّ تَحتَ الخطيّة، ليُعطَى الموعِدُ مِن إيـمانِ يَسوعَ المسيحِ للّذينَ يؤمِنون".

اللافِت، أنّ بولس لم يُشكّك إطلاقًا بتاريـخيّة حوادث العهد القديم، ونظر إليها كأمثلة حصلت لتعليمنا (1كو 10: 11؛ رو 15: 4). بالخلاصة، العهد القديم، بالنّسبة إلى بولس، هو "أقوال الله" الّتي استؤمن اليهود عليها (رو 3: 2)، وقد فسّر بولس نصوصه روحيًّا بشكل يـجعلها تنطبق على مؤمني العهد الجديد. (انظر غل 4: 21 - 27).

AddToAny