تأليه الزّعماء والتّجديف على الله

العدد:
السنة:

بالغت صبيّة لبنانيّة منتفضة على طريق قصر بعبدا بالتّعبير عن حبّها لرئيس الجمهوريّة اللبنانيّة وتعظيمها له. وصفت الله جالسًا على عرشه في السّماء وعن يمينه رئيس الجمهورية اللبنانيّة العماد ميشال عون، وعن يساره وزير الخارجيّة المهندس جبران باسيل. اعتُبِر كلامها تجديفًا لدى بعض رجال الدين، فانتفضوا ووبخّوا وأنذروا وهدّدوا. ورفع محامون قضيّة ضدّ الصّبيّة متّهمين إيّاها بالتّجديف على العزّة الإلهيّة. وأعرب عددٌ كبيرٌ من النّاس، المتديّنون خاصّة، عن انزعاجهم واستهجانهم واستنكارهم لموقف الصبيّة.

 

تأليه الزّعماء

تستدعي هذه الحادثة النّقاش حول موضوع تأليه الزّعماء الشّائع في بلادنا بتعابير متنوّعة في مناسبات عدّة. غالبًا ما يُسلِّط الضوءَ عليه المناوئون السياسيّون. فيدافع المؤيّدون عن المرتكب ويبرّرونه. وترفع السلطة الدينيّة صوتها مذكّرة بقِيَمٍ واعتبارات وتقاليد لتستعيد سطوتها على ضمائر الأتباع، في زمن هيمنة قيَم العلمنة والإلحاد والماديّة على المجتمع المعاصر. وقد تستغلّ هكذا مناسبات لتُبرز موقعها المتقدّم في وسط المجتمعين السّياسيّ والمدنيّ.

 

هنا يُسأل المنتقدون المتسربلون بالدّين والأخلاق ما إذا كانوا ينزعجون مثلاً من جميع الّذين يؤلّهون قادتهم بالكلام والصُّوَر والمواقف. ما هو موقفهم ممّن يعتبر شهداءه بمصاف القدّيسين والآلهة ومستعدّ لإظهار العنف الكلاميّ والجسديّ والمادّي والمعنويّ تجاه من لا يُشاركه الرّأي؟ أو ممّن يستخدم اسم الألوهة في الشّتيمة والكلام الهزليّ والنّكات البذيئة والمزاح والحلفان الباطل والكذب و"محطّ الكلام" الخفيف؟ ومن بعض رجال الدّين الّذين يتّصفون بالألقاب الخاصّة بالألوهة ويُعتبرون الإعتراض على ذلك مثيرًا للفتنة الطائفيّة وللحروب الدينيّة؟ 

 

نظرة تاريخيّة

تأليه الزّعماء ممارسة قديمة العهود. لم تقتصر فقط على المجتمعات المتخلّفة كما يظنّ بعض الناس. كانت شائعة في أرقى الشّعوب وأعرقها حضارةً، وشبه غائبة عن القبائل البدائيّة غير المتحضّرة الّتي لم تعرف أيّة فلسفة متطوّرة أو دين توحيديّ، وتؤمن بقوى الطّبيعة الخارقة. تميّز البابليّون والفراعنة واليونانيّون والرومان قديمًا بإسهاماتهم الدينيّة والعلميّة والفلسفيّة والتشريعيّة والسياسيّة؛ وألّهوا قادتهم. اعتبر البابليّون ملوكهم تُمثّل الآلهة. بينما صرّح الفراعنة أنّ ملوكهم آلهة تحكم بقوى إلهيّة خارقة. اليونانيّون ألّهوا قادتهم بعد موتهم. أمّا الرومان فحسبوا قياصرتهم آلهة تنبع منهم كلّ السّلطات. كما وُجِدت هذه العادة لدى شعوب وحضارات الشرق الأقصى القديم والجديد. وتبقى اليابان المثال الأقوى لشعب اعتبر أمبراطوره إلهه. ونرى تأليه القادة يُمارس بتقاليد تمجيد الزّعماء والملوك والرّؤساء وأصحاب السّيادة في دوائر الدّين والدّنيا حول العالم وفي كلّ زمان وبطرقٍ متنوّعة.

 

لماذا يؤلّه النّاس ملوكهم؟

يقودنا البحث في هذا السّؤال لنرى أوّلاً أنّ النّاس، بوعيِهم أو بدونه، يسمعون صدى الألوهة في كلّ شخص عظيم أقامه الله على مجتمع أو منصب ما. نجد في القادة، لا سيّما النّاجحين والأقوياء والحكماء والشّرفاء والعادلين والأتقياء منهم، شيئًا من استعلان مجدٍ إلهيّ مُعطى لهم من فوق مع هبة السّلطة. يُبرز هذه الصورة المزمور 82 بقوله، "اللهُ قائمٌ في مجمع الله. في وَسْط الآلهة يقضي... أنا قلت: إنّكم آلهة وبنو العلِيِّ كلُّكم". لا يُعلن المرنّم إيمانه بتعدّد الآلهة، إنّما يعكس حقيقة السّموّ الإلهيّ المزروع في قلب البشر وقادتهم، والّذي يجب أن يصوغ أحكامهم وسلوكهم. جاء هذا الكلام في معرض عتاب الله لقضاة الأرض ورؤسائها لإخفاقهم في تحمّل مسؤوليّاتهم وممارسة العدالة وإنصاف الضّعفاء. ثمّ يُذكرهم أنّهم بشر يموتون ويسقطون ويبقى الله وحده الملك العادل بين ممالك النّاس.

 

ثمّة سبب ثانٍ خلف تأليه القادة يكمن في النّفس البشريّة الّتي، منذ سقوطها من الشّركة مع الله في الجنّة، تختبر تدهورًا مستمرًّا لأحوال المجتمع البشريّ في الأرض. فنراها تشتاق للكرامة، وتعطش للأمجاد، وتجوع للألوهة. يُروي الإنجيل المقدّس قصّة معبّرة عن طلب الإنسان المقام الرّفيع بقرب الله. جاءت إلى يسوع أمُّ تلميذيه يعقوب ويوحنّا، وهي خالته شقيقة مريم العذراء، ضارعة: "قُلْ أن يجلس ابنايَ هذان واحد عن يمينك والآخر عن اليسار في ملكوتك". يُظهِر النصّ المقدّس أنّ التّلميذين طلبا ذلك مباشرة منه. لم يوبّخ يسوع نسيبته ولا ابنيها، ولم يتّهمهم بالتّجديف أو المسّ بالعزّة الإلهيّة. بل تفهّمهم، ورفق بهم، محاولًا تنويرهم في الموضوع. سألهم عن استعدادهم لكلّ تضحية قبل نوال الكرامة المرجوّة. أجاباه بالإيجاب فقال لهما، "أمّا كأسي فتشربانها، وبالصِّبغة الّتِي أصطبغ بها أنا تصْطبغان. وأمّا الجلوس عن يميني وعن يساري فليس لِي أن أعطيه إلاّ للّذين أُعِدّ لهم من أبي" (مت 20: 21-23). نتعلّم من جواب المسيح دروسًا كثيرة. لم يرفض طلب النّاس بالتّواجد قربه في أمجاده وهو الّذي صلّى ليكون لهم المجد الّذي كان له قبل تأسيس العالم (يو 17: 22، 24). إلاّ أنّه لم يعِد أحدًا بالجلوس عن يمينه أو يساره تاركًا الموضوع للآب ليُعيّن من يستوي على هذه الكراسي. هنا أخطأت أمّ ابني زبدي، كما أخطأت تلك الصبيّة اللبنانيّة بتسرّعها.

 

الحكم بالتّجديف

تحتوي إدانة النّاس لتصرّفات وتعبيرات مشابهة إساءة لثلاثة. أوّلًا للعزّة الإلهيّة بعدم إظهار الرفق والرحمة تجاه بشر تصرّفوا بجهل ويحتاجون للإرشاد ليعرفوا تدبيرات الله لخلاصهم الأبديّ. وتجاه المرتكب في إدانته وتكفيره وتعريض حياته للخطر. الأمر الّذي لم يفعله يسوع. يعرف المسيح حساسيّة المجتمع اليهوديّ الّذي اتّهمه بالتجديف لدى بيلاطس وطلب صلبه. وفيه إساءة لرئيس الجمهوريّة اللّبنانية نفسه إذ يُحاولون، عن خبث أو سذاجة، تلبيسه خطيّة هيرودس عندما طلب لبنانيّون من صيدا وصور استرضاءه بعد جفاء، في احتفال جماهيريّ نظّمه. نصحهم وسيط قائم على بيت الملك بأن يُمجّدوه ليستعطفوه. فهتفوا حين خاطب الملك الجماهير، "هذا صوت إلهٍ لا صوت إنسان!... ففي الحال ضربه ملاك الربّ لأنّه لم يعطِ المجد لله، فصار يأكله الدّودُ ومات" (أع 12: 22، 23). لا يجب المقارنة بين الرجلين، طالما أنّ الرئيس اللبنانيّ لم يطلب التّمجيد ولم يقبله.

 

سيبقى موضوع تأليه الزّعماء قائمًا طالما لا يعرف الناس أنّ ولاءهم الأوّل لله وليس للزّعيم، ولا يجوز تأليه إنسان وعبادته. إنّ التعبير الأقصى عن مشاعرهم للملك العزيز هو: المجد لله وحده. يسير عالمنا اليوم باتّجاهٍ سريعٍ وخطيرٍ نحو ظهور "المقاوم والمرتفع على كلّ ما يدعى إلهًا أو معبودٍا، حتّى إنّه يجلس في هيكل الله كإله، مظهرًا نفسه أنّه إِله" (2تس 2: 4). وسيقوم النّاس بتقديم الولاء والتّمجيد له، ومن لا يسجد له فسيُعاقب.

AddToAny