تجاهلٌ وتهاونٌ، فمواجهةُ مَصير

العدد:
السنة:

ارتحلَ رجلٌ مغامرٌ إلى أدغالِ أفريقيا ليستمتعَ بمناخٍ استوائيّ. ذاتَ يومٍ راحَ يتمشّى في الطّبيعةِ الخلّابةِ حيثُ الأشجارُ كناطحاتِ السّحابِ تحجُبُ أشعّةَ الشّمسِ لضخامتِها وكثافتِها. كانت روائحُ الزّهورِ الزكيّةُ تنعشُه وأصواتُ الحيواناتِ تملأُ المكانَ. شعرَ فجأةً بارتجاجٍ قويّ فانتابَه خوفٌ شديدٌ. وإذا بأسدٍ ضخمٍ يسرعُ باتّجاهِه فهرولَ بسرعةٍ هائلةٍ ووصلَ إلى بئرٍ. تمسَّك بحبلِ البئرِ وقفزَ فيه بطريقةٍ جنونيّةٍ. ثمّ هدأَ الأسدُ والتقطَ الرّجلُ أنفاسَه. وبينما كانَ يتمايلُ في البئرِ رأى خطرًا جديدًا. ثمّةَ ثعبانٌ ضخمٌ في قعرِ البئرِ. وفيما كانَ يفكّرُ بحيلةٍ يتخلّصُ بها من الحيوانين، إذا بفأرين لونُهما أبيضُ وأسودُ يتجّهان نحوَ الحبلِ ويبدآن بقضْمِه. فقدَ الرّجلُ كلَّ أملٍ بالنّجاة. هزَّ الحبلَ لعلّه يبعدُ الفأرين. فتأرجحَ بقوّةٍ يُسرةً ويُمنةً وارتطمَ بأحدِ جوانبِ البئرِ مصطدمًا بمادّةٍ لزجةٍ ورطبةٍ. حاولَ تذوّقَها ليكتشفَ أنّه أمامَ بيتِ نحلِ مليءٍ بالعسل. راح يتناولُه بشراهةٍ حتّى نسيَ المخاطرَ المحيطةَ به. فجأةً، استيقظَ الرّجلُ من نومِه مُنزعجًا ومضطربًا جدًّا من ذلك الحلم. قرّرَ، في اليومِ التّالي، استشارةَ عالمٍ ليُفسّرَ حلمَه. أجابَه العالمُ قائلًا: "الأسدُ الّذي جرى وراءَك هو ملاكُ الموتِ، والبئرُ حيثُ كانَ الثّعبانُ هو قبرُك، والحبلُ الّذي تمسّكْتَ به هو عمرُك، والفأرين هما اللّيلُ والنّهارُ اللذين يقضمان من عمرِك. أمّا العسلُ فهو ملذّاتُ الدّنيا الّتي أنستْكَ أنّ وراءَك الموتَ والحسابَ". 

 

قصّةٌ مؤثّرةٌ تكشفُ مدى تجاهُلِ الإنسانِ للأمورِ الجوهريّةِ وتهاونِه بمصيرِه. مرَّ لبنانُ، في الأشهرِ القليلةِ الماضيةِ، ولا يزالُ، بفترةٍ عصيبةٍ جدًّا بسببِ انتشارِ وباءِ كورونا. لكنّ بعضَ النّاسِ لم يأبَهْ للخطرِ على الرّغمِ من تشدُّدِ الدّولةِ وإصرارِها على الحجْرِ المنزليّ. راحوا يتسوّقون ويرتادون المطاعمَ ويتنزّهون ويقيمون الحفلاتِ. لقد التهوا بملذّاتِ الدّنيا وتجاهلوا متناسين المخاطرَ المـُحدِقةَ بهم.  

 

ينطبقُ الأمرُ نفسُه على حياتِنا الرّوحيّة. أنسَتْنا مغرياتُ الدّنيا وشهواتُ هذا العالمِ الفاسدِ الفاني وجودَ آخرةٍ، وأنّنا ذاتَ يومٍ سنقفُ أمامَ اللهِ الديّانِ العادلِ ونقدّمُ له حسابًا. قلّما ننتبهُ أنّ شهواتِ النّفسِ والجسدِ وتعظّم المعيشةِ تسيطرُ على أفكارِنا وأحاسيسِنا وعقولِنا. يحذّرُنا الكتابُ المقدّسُ من محبّةِ العالمِ. ويحثُّنا لنصحوَ ونسهرَ وتكونَ مصابيحُنا مشتعلةً كالعذارى الحكيماتِ، وننتظرُ ،مستعدّين، اللّحظةَ الحاسمةَ، عودةَ الرّبّ يسوع المسيح الّذي سيأتي كلصٍّ في اللّيلِ، وفي ساعةٍ لا ندري بها، وإلّا سيُغلقُ الباب ويجيُبنا، "الحقًّ أقولُ لكم، إنّي لا أعرفُكم". 

 

يجبُ أن نأتيَ اليومَ، قبلَ فواتِ الأوانِ، إلى الفادي المسيح الإلهِ الحيّ الحقيقيّ وحدِه، ونعبدَه متذكّرين الكلمةَ الإلهيّةَ، "اليومَ إن سمعْتُم صوتَه فلا تقسّوا قلوبَكم".  إنّه يقرعُ على أبوابِ قلوبِنا يدعونا للعودةِ إليه وهو الّذي ماتَ عنّا على الصّليبِ ووفّى دينَنا. فلا نؤجّلُ لأنّه لا ملجأ لنا سواه.

AddToAny