حياة سألك فأعطيته

الموضوع:
العدد:
السنة:

كلمة في وداع صديق العمر القسيس جورج عطية

"حياة سألك فأعطيته. طول الأيّام إلى الدهر والأبد" (مز 21: 4).

نتوقّف عند أعياد ميلادِنا ونعدُّ الأيّام ونظنُّ أنّها ستكونُ طويلةً، ولا يخطرُ على بالِنا أنّ يوماً ما يتوقّف العدّ. لا شكّ أنّ عمر الإنسان قد تحسّن بعد التطوّر الطبيّ والتقدّم في صناعة الغذاء بشكلٍ خاصّ. لكن، ما زال عمر الإنسان بشكلٍ عامّ، تحت سقف الحدود التي وضعها الله للبشر. وها الكورونا اليوم تأتي لتهزم البشر وكلَّ تطوّرٍ علميّ أو طبّي. فحياة الإنسان ليست ممّا يأكل أو يشرب أو يُعالج به. بل حياته من الله الّذي يُعطي الرّوح في وقتٍ ويأخذها في وقتٍ يُحدّده هو. داود الذي اعترف بأنّ أيّامه لن تتجاوز السّبعين أو الثّمانين، يطلب من الله الحياة، والله يُعطيه إيّاها للأبد.

ويبقى الصّراع في داخل كلّ إنسان يُحبّ الحياة ويطلبها. نُصلّي لتكونَ لنا حياة ولكن، يأتي وقت ويتوقّف النّبض وتتوقّف الحياة. كيف نوفّق بين الرّغبة في البقاء وواقع الموت المباغت؟ كيف نوفّق بين الحياة السّعيدة وآلام الفراق؟ أيٌّ يغلب بينهما؟

نقف في وداع أخٍ عزيزٍ جداً وتكريمه، والقلب فيه غصّة وحزن وألم. ماذا نقول؟ قد لا ينفع ما نقول. لكنّي أودّ أن أُنصت إلى الرّاحل يتكلّم في الموضوع. فهو عرف أنّ للحياة على الأرض نهايةً. مواعظه تُظهر معرفته لهذه الحقيقة. لكن أعود إلى اليوم الذي كان جورج عطية فتًى، وهو الذي فقد والده من طفولته. أراه يطلب المسيح ويطلب الحياة معه ويأخذها منه وكان بعد في الثالثة عشرة من عمره. "حياةً سألك فأعطيته". والرّب أكرمه بالخلاص وبحوالي 53 سنة عاشها في خدمته والأهمّ أكرمه بالحياة الأبديّة. "من طولِ الأيّام أشبِعُهُ، وأُريه خلاصي" (مز 91: 16).

ويعرف، باكرًا، الفتى جورج أنّ المسيح أكرمه بالحياة معه، فلم يشأ أن يُبدّدها ويقامر بها. فنراه يصرف المراحل الأولى من حياته يُبنى في الإيمان كالشاب تيموثاوس الذي تتلمذ عند والدته أفنيكي وجدّته لوئيس، يستخدم كلّ يوم من حياته ليدرس كلمة الله ولينمو في الإيمان في رعاية أمّ قدّيسة فاضلة مكرّسة هي "الأخت دلال". وهكذا تميّزت حياته كفتى بحُبّ الرّبّ وخدمته. وكان ناشطًا من وقتها بدعوة الأصدقاء إلى مدرسة الأحد، ومنهم من صار في مواقع مرموقة بالحياة ويشهدون لتأثيره على حياتهم وإيمانهم.

من التفوّق في الدراسة الجامعيّة إلى دراسة اللاهوت

وفي وقت دراسة علوم الأحياء في الجامعة، كان مُجليًّا، وكان أمينًا لإلهه بين رفاقه ولم يخجل بحفظ وصاياه ولا بشهادة يسوع. وعند تخرّجه، وإذ سمح له تفوّقه أن يتابع الدكتوراه أو أن يكون طبيبًا، إلا أنّه لم يقدر أن يُقاوم الدّعوة الإلهية القويّة في داخله، فآثر أن يُعطي حياته لخدمة سيّده ومُخلّصه. وهكذا مُجدّدًا، "حياةً سأل فأعطيته" فكانت له حياة الإعداد للخدمة ودراسة اللاهوت. وكان جورج مثابرًا ومتعمّقًا ودارسًا كما "عالِم الأحياء"، يضع كلمة الله واللاهوت والعلوم كافّةً تحت المجهر ويُدقّق ويدرس وينهل ويستفيد. وهكذا أغنى حياته بما يبنيه ويُعدّه لعمل واسع فيما بعد.

وانخرط جورج باكرًا في خدمة الإذاعة والبشارة والكلمة، وهنا تحوّل جورج إلى إعلاميّ مسيحيّ برز في كتابة البرامج وإنتاجها وإذاعة الأخبار السّارّة والكلمة المُخلّصة وصرف فيها أكثر من عشرين سنة. وهكذا، مرّةً جديدة، "حياةً سأل فأعطيته" وكانت حياة بركة لمئات ألوف أو لربما لملايين المستمعين في العالم العربي. وباركه الله بربح النّاس للحياة مع المسيح، وهكذا تكون حياته التي طلبها من المسيح صارت حياة للكثيرين في المسيح. هنا يكمن الجوهر في حياة شخص جورج عطية الذي طلب الحياة مع المسيح وكرّس كلّ يوم من حياته للمسيح ولخدمته فصار سبب حياةٍ للكثيرين. وحدها السماء ستكشف له ثمار خدمته وتأثيرها الواسع.

جورج في الرعاية والتعليم

وكان لجورج شرف الرّعاية وامتيازها. وهنا دخل عالمًا مليئًا بالحياة وبالولادات الروحيّة وبرعاية النفوس وتنشئتها وبنيانها وتشجيعها لتكون حياته في خدمة المسيح. ومن جديد "حياة سألك فأعطيته." كانت حياة طويلة في الرعاية والوعظ والتعليم. واكتشف القسيس جورج ما معنى أن يتشبّه أحدهم بالرّاعي الصّالح ويبذلَ حياته عن خرافه. واختبر آلام الرعاية المبرّحة والمتنوّعة، لكنّه لم يتذمّر يومًا ولم يهرب يومًا ولم يترك الرعاية، فهو نذر نفسه للمسيح ولم يرجع إلى الوراء.

وكان للقسيس جورج فرصة أن يصير استاذاً للّاهوت باكرًا، ودرّب العديد أجيالاً من الخدّام في اللاهوت والخدمة – ومن بينهم أنا وبعد 36 سنة درّب ابني اندرو - وهكذا كانت حياته سبب بركة وتشجيع لخدام كثيرين أغنى حياتهم من حكمته وعلمه وخبرته ونُبل أخلاقه وطباعه. ومرّةً جديدة سأل الرّبَّ حياةً مثمرة فأعطاه. فتضاعفت حياته بحياة مئات طلاب اللاهوت من لبنان والبلدان العربية، الذين انطلقوا لخدمة رئيس الحياة، ونقلوا رسالة النّعمة والحياة إلى تلاميذهم والذين آمنوا بالمسيح في خدماتهم. وهكذا نرى عِظمَ الوعد "حياة سألك فأعطيته" الذي تمّ في حياة رجلٍ واحد كرّس حياته للمسيح فكان له أتعاب لا تُحصى في حقولٍ متنوّعة روحيّة ورعائيّة وإنسانيّة ولاهوتيّة وتربوية... وصلّى جورج لتكون له حياة زوجيّة فأكرمه الرّبّ بها فكان خير زوج وأب ورأى بناته وأحفاده. وحدها الأبدية ستكشف لنا ثمار خدمته الواسعة والطويلة.

لماذا غادرنا باكرًا؟

وإن كنّا نسأل، ولماذا غادرنا باكرًا وهو في عزّ العطاء وما زال بإمكانه أن يُعطي أكثر؟ أرى الجواب من تأمّلي في سيرة حياته، وهو الذي أعطى حياته للمسيح، وتكرّس باكرًا لخدمته. أرى أنّ القسيس جورج لم يُعطَ له أن يتقاعد. بل نقله الرّبّ مباشرةً إلى السماء، وذلك بعد أن "خدم جيله" وأمضى حياته مع المسيح، وهو هناك مُنِح شهوة قلبه أن يكون مع المسيح إلى الأبد. وهكذا تمّت فيه الآية: "حياة سألك فأعطيته. طول الأيّام إلى الدهر والأبد." صحيح أننا كنّا نتمنى أن يعيش القسيس جورج بعد عقد أو عقدين من السنين، إلا أنّ الله أعطاه أن يعيش ملء حياته للمسيح ومات شبعان أيّام خدمة وتضحيات لمجد المسيح.

هنا أسأل السامع: كيف تُمضي حياتك؟ لمن تحيا؟ وماذا ستفعل بسنيك التي يُعطيك إياها الله في زمان غربتك؟ ليس الموضوع أن نعيش الأيام الطويلة. والعمر يمضي ويزول سريعًا كالبخار الذي يظهر قليلاً ثم يضمحلّ. ماذا تفعل بعمرك؟ هل سيُقاس عمرك بطوله أو بجودته؟ طول الأيّام الأرضية لا قيمة لها في المقياس الأبدي. نوعيّة الحياة وجودتها هي ما يُعطي قيمتها في منظار الأبدية. وحده المسيح يُعطي الحياة قيمتها. واستخدام الوزنات بأمانة هو ما يُقدّره الرّبّ يسوع، وهو الذي سيأتي ليرى ان استخدمنا الوزنات بأمانة. أمّا جورج فالرّب يعلم أنه أمضى عمره يستخدم وزناته بأمانة. وأراه يقول له: "نِعِمًّا أيُّها العبد الصالح والأمين! كنت أمينًا في القليل فأُقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيّدك." (متى 25: 21).