حين يتنصّل الفهم من الثّقافة

العدد:
السنة:

يضمُّ المجتمع مختلف الأجناس والثّقافات. يلتقي المرء بمَن ادّعى الثقافة، وبمَن نال حقًّا ثقافةً شكّلت شخصيّته الفريدة الفيّاضة بالحكمة والمعرفة. ينمو هذا الأخير متواضعًا في ديار حبّ المعرفة ويجول مرنًا في استنشاق العلم. سرعان ما يتميّز عن سواه، فتتزيّن حياته بحسن التصرُّف وصون العلاقات في معاملة الآخرين من حوله.

يلتحف المدّعي أسوار الكبرياء والتّعالي فيهجر الفهمُ إدراكَه. يُمسي عرضةً للاستهزاء مع كلّ جليس، إذ يبني لنفسه جدارًا بمعارفه المحدودة ولا يترك لفكره فرصة النموّ المستمرّ اللّامحدود. يتباهى بتقديم نصائح غير مرتكزة على مبادئ صحيحة. مثلاً يخال نفسه طبيبًا خبيرًا لكنّ إرشاداته تناقض أقوال الأطبّاء. إنّه جنون الجهل المعتمَد بإرادة الكبرياء الرّافض التجديد والتّطوّر. تحبسه أوهامه ظانًّا نفسه الأفضل. حدث هذا مع فريق عملٍ اشتُهِرَ بنجاح إنجازاته لعدّة سنوات. وبسبب ظروفٍ معيّنة استُبعِدَ قائد الفريق، واستُبدل بمَن أراد إثبات جدارته على طريقته. ظنّ نفسه فهيمًا ليس من يوازيه ثقافة. لم يتقبّل مشورة أحد وغابت عبارات التّشجيع في غياهب التّوبيخ والملامات. ففُقِد التّفاهم والانسجام، وزال الفريق بوجود قائد يتفرّد بقراراته رافضاً إعطاء نفسه فرص التغيير والتطوّر!

بالمقابل، فإنّ من يجالس شخصًا واسع الأفق لا يشبع عقله معرفة كما لا يمتلئ البحر ماء، يكتسب منه في كلّ لقاء شيئًا جديدًا يُغني معارفه. دوّن أشهرُ الحكماء في الكتاب المقدّس، "قلب الفهيم يطلب معرفة، وفم الجهّال يرعى حماقة".

ثمّة ارتباط وثيق بين الحكمة والفهم والمعرفة، تجتمع كخيط مثلوث؛ استبعاد عنصرٍ منها يُحدث خللًا فادحًا. يسقط في حفرة التصلّف من ظنّ نفسه وصل وأكمل مسيرته واكتفى. حذارِ من الانحدار نحو الجهل!