دعِ الأجيال تُسبِّح الرَّبّ

الكاتب:
العدد:
السنة:

إنَّ الله يريد جميع النّاس، على مرِّ الأجيال، أن يعرفوا قصدَهُ ويختبروا مشيئتَهُ في حياتهم. كيف يُمكِن أن يتمَّ هذا؟ يقول المرنِّم في هذا الإطار هذه الكلمات الـمُعبِّرة عن توق الأجيال للعبادة الحقيقيَّة: ’أَمَّا نَحْنُ شَعْبُكَ وَغَنَمُ رِعَايَتِكَ نَحْمَدُكَ إِلَى ٱلدَّهْرِ. إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ نُحَدِّثُ بِتَسْبِيحِكَ‘ (مز 79: 13). وفي تسبيحةٍ لداوود نقرأ أيضًا هذه التّعابير الرّائعة: ’دَوْرٌ إِلَى دَوْرٍ يُسَبِّحُ أَعْمَالَكَ، وَبِجَبَرُوتِكَ يُخْبِرُونَ‘ (مز 145: 4).

تنشئة الأجيال وثقافة التّغيير

          تُرجِمت كلمة ’دور‘ بالإنكليزيَّة إلى ’جيلٍ‘ من النّاشئين الّذين عرفوا الرَّبّ عن كثَبٍ فسبَّحوا اسمه القدُّوس ومجَّدوا شخصَه الكريم والجليل. وتقع على كلّ جيلٍ مسؤوليَّة إخبار الجيل الآتي عن عظمة الله وجبروتهِ وأعمالهِ الّتي صنع. وبذلك يُخلَقُ جيلٌ يعرِف ويختبِر مقاصِد الله فيُطيع كلمته ويُعظِّم اسمه القدُّوس. لا تستطيع الأجيال أن تعرف الله عرَضًا بل بتهيئتها عبر الأيَّام والسِّنين من خلال الممارسة والتّعليم والتّشجيع والإنذار الّذي في البرّ.

الإرشاد النوعيّ لا الظرفيّ في تربية الأجيال

كيف نُرشِد الأجيال الصّاعدة لمعرفة الله وتمجيده؟

§        أولًا: يجب أن نمتلِك ذلك القلب النّابض بالمحبَّة والعطف والتّفهُّم بحيث نُبيِّن للأجيال الحديثة فرادة المحبَّة الإلهيَّة وروعتها. يواجه الجيل اليافع في هذه الأيَّام عالَمًا مختلفًا تمامًا عن ذلك العالَم الذي تربَّينا فيه. وبالرغم من هذه الاختلافات في التّربية والنّظرة إلى الأمور، يجدُر بنا أن نُظهِر تفهُّمًا استثنائيًّا لمشاعرهم وميولهم وتطلُّعاتهم وبرامجهم وإنجازاتهم. إنَّ الكثير من أولئك الـمُتقدِّمين في العمر – وهم ذوو نفوذٍ وتأثيرٍ كبيريَن في الكنيسة المحليَّة وفي مجتمعاتهم – لا يُقدِّرون تلك الطّاقة الإيجابيَّة التي يختزنها جيل الشّباب. وإن كان الجيل القديم يتحلَّى بالحكمة والخبرة، إلّا أنَّه يجب عليه النّظر إلى وتقدير ما يختزنه الجيل الصّاعِد من طاقةٍ وفكرٍ وحماسة. نتذكَّر كلمات النبيّ ملاخي بروح النبوَّة الّذي قال: ’هَأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا ٱلنَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ ٱلرَّبِّ، ٱلْيَوْمِ ٱلْعَظِيمِ وَٱلْمَخُوفِ، فَيَرُدُّ قَلْبَ ٱلْآبَاءِ عَلَى ٱلْأَبْنَاءِ، وَقَلْبَ ٱلْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ. لِئَلَّا آتِيَ وَأَضْرِبَ ٱلْأَرْضَ بِلَعْنٍ‘ (مل 4: 5-6). نستنتج من هذه الأعداد ضرورة امتلاك الأجيال قلوبًّا تُحبُّ وتطمئنَّ إلى بعضها الآخَر. نحن نُثمِّن وجود الأجيال الصّاعدة، فهي أجيالٌ واعِدة تحتاج إلى دعمٍ وتشجيع. ألا يجدُر بنا أن نمتلك ذلك القلب النّابض بالحياة فنُقدِّر عطاءاتهم ومحبَّتهم وتفانيهم من أجل الخدمة؟ فهذا يُظهِر وحدتنا ويُبرز طموحاتنا وأهدافنا الـمُشترَكة إذ نحمل راية الإيمان عاليًا. وإن كان الجيل القديم يبدو قديمًا حسب الظّاهر، فهو يمتلِك قلبًا واسعًا يستوعِبُ تلك القلوب اليافعة الـمُتعطِّشة للعطاء وتمجيد الله.

§        ثانيًا: يجب أن نلْحَظ القوَّة الكامنة في طاقات ومواهب الجيل الناشئ ومواهبه وطموحاته. فالأجيال الحديثة تحتاج إلى مَن سبقهم في معرفة أُسُس الإيمان والأخلاقيَّات المسيحيَّة وذلك من أجل توجيه إدراكهم نحو سموّ النّعمة الإلهيَّة. هنالك عددٌ من النّماذج الفرديَّة الّتي برزت في سنٍّ مُبكِّرة وبرعت في إظهار طاقاتها الفريدة. نأخذُ مثالًا على ذلك موزارت (Mozart) الّذي بدأ بتقديم حفلاتٍ موسيقيَّة في أوروبا وهو لم يزل في السّادسة من عُمره. ثم هنالك أيضًا تلك المرأة الحديديَّة التي كانت عمياء وصمَّاء واسمها هيلين كيلر (Helen Keller) لكنَّها كانت تعرف الأبجديَّة ومفرداتها ومعانيها وذلك لأكثر من 625 كلمة. أمّا توماس أديسون (Thomas Edison) ذلك العالِم الفذَّ فشيَّد مختبرًا للأبحاث العلميَّة في قبو بيته وهو بعد في سنِّ العاشرة. وأيضًا نذكر القائد جوان العسكريّ (Joan of Arc) الّذي قاد جيشًا من ثلاثة آلاف جنديّ نحو النّصر وهو ما زال في الثّامنة عشرة من عمره. هذه ليست إلّا عيِّناتٍ يسيرة من مُبدعين أحداث غيَّروا مجرى التّاريخ والعلوم والطّبّ والاكتشاف. أما إذا رجعنا إلى الكتاب المقدَّس، نجد أنّ صموئيل، ذلك النبيّ الموهوب، كان خادمًا للرَّبّ وهو بعد صبيٌّ صغير. أمّا داوود فَمُسِح ملكًا على شعب الله وهو بعد يافع. ثمّ نرى دانيال ذلك الشاب الحيويّ المسجون في الغربة يعرفُ تمامًا كيف يتّبع الرَّب في العبادة والإيمان غير الـمُتغيِّر فوصلَ إلى مركزٍ مرموق في القيادة. ولا ننسى يوسف الّذي عرَف أن يهرُب من الخطيَّة لنجاة نفسه فباركهُ الله ورفّعهُ إلى ثاني رجلٍ في مصر القديمة. نرى من هذه النماذج أنّ الجيل الحديث السِّن يمتلك قدرات هائلة يجب التّنبُّه إليها واستثمارها. وهكذا نُتمِّم قصد الله القائل في كلمته المقدَّسة – ’رَبِّ ٱلْوَلَدَ فِي طَرِيقِهِ، فَمَتَى شَاخَ أَيْضًا لَا يَحِيدُ عَنْهُ‘ (أم 22: 6).

§        ثالثًا: يجب أن نُظهِرَ للجيل الحديث حقيقة مَن هو الله. فهُم يرَون طبيعة الله من خلالنا – عنيت بذلك تصرُّفاتنا وممارساتنا وأخلاقيَّاتنا. يصِف الرّسول بولس طبيعة العالَم الذي ينشأُ فيه الإنسان بقوله: ’وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا ٱلدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللهِ: ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ‘ (رو 12: 2). نستخلِص عِبَرةً هامَّة من هذا الإعلان، نختصرها بالآتي: لا يمكننا كأولاد الله أن ننسجِم مع ثقافة مجتمعاتنا المعاصِرة بل علينا أن نُركِّز اهتماماتنا نحو الله. بذلك نتغيَّر داخليًّا فُنصبح مشابهين صورة الرَّبّ يسوع المسيح بدل العالَم الّذي نعيش فيه. وهذا إن دلَّ على شيء إنَّما يدلُّ على الوعي والنّضوج الرّوحيّ اللذَين ينبغي على أجيالنا أن تتمتَّع بهما لديمومة نجاحها في الحياة.

الأجيال والبيئة المسيحيَّة

أجيالنا ترغب في المعرفة وحبِّ الاكتشاف، فهُم طاقاتٌ وافرةٌ من العطاء والموهبة. لكن، ما هي المساحة الآمنة لحدود الاكتشاف والتّعلُّم؟ يجب أن نعرِف جيِّدًا كيف نضبط الحدود التي نتحرَّك ضمنها في علاقاتنا مع الآخرين ومع الله. لا نُشبِه بيئتنا بل نجعل بيئتنا تُشبه المسيح الّذي أحبَّنا. لكلّ جيلٍ إطاره في النّضوج وتحمُّل المسؤوليَّات. صلاتنا أن نُنتِج جيلًا مؤمنًا يخاف الله ويُمجِّدَه فيكونون شهادةً لأترابهم في عالَمٍ مليء بالتّحدِّيات والمصاعب المتنوِّعة. وهكذا نختم مع كلمات المرنِّم متذكِّرين أن نضع خوف الرَّبّ وإنذاره نُصبَ أعيننا جميع أيَّامِ حياتنا – ’اَللَّهُمَّ، قَدْ عَلَّمْتَنِي مُنْذُ صِبَايَ، وَإِلَى ٱلْآنَ أُخْبِرُ بِعَجَائِبِكَ .وَأَيْضًا إِلَى ٱلشَّيْخُوخَةِ وَٱلشَّيْبِ يَا ٱللهُ لَا تَتْرُكْنِي، حَتَّى أُخْبِرَ بِذِرَاعِكَ ٱلْجِيلَ ٱلْمُقْبِلَ، وَبِقُوَّتِكَ كُلَّ آتٍ‘ (مز 71: 17-18).

AddToAny