دور المؤسّسة الدينيّة في تعزيز الحكم الرّشيد

العدد:
السنة:

يبحث برنامج التّنمية للأمم المتّحدة UNDP في دور المؤسّسة الدّينيّة لتعزيز برنامج الحكم الرّشيد. وهو بذلك يُقرّ بدورها غير الدّيني وتأثيرها في حياة الشّعوب. ويعترف أنّ الدّين يحمل رسالةً أخلاقيّةً إجتماعيّةً عمليّةً مُفيدةً وساميةً في آن. يأتي البحث، في تأثير المؤسّسات الروحيّة والدّينيّة لدعم أجندة الحكم الرّشيد، إمّا من سبيل الإعتراف أنّ المؤسّسات السّياسيّة في العالم العربيّ قد فشلت، أو على سبيل الإعتراف أنّنا بحاجة للمؤسّسة الدينيّة كما التربويّة في تحقيق مبادئ الحكم الرّشيد. ويُقصَد في مبادئ الحكم الرّشيد: المشاركة والمؤسّسات الديمقراطيّة، حكم القانون، الشفافيّة، حسن الإستجابة والفعاليّة في الخدمات، التّوافق العام، العدالة وتكافؤ الفرص، التّنظيم، المحاسبة واللّافساد، والرّؤية الإستراتيجيّة.

 

تأثير الدّين في السّياسة

أوضحت في كتابي "أصحاب السيادة" أنّ للدّين أثرًا كبيرًا في السّياسة والمجتمع. فالمؤسّسة الدّينية مدعوّة من بين واجباتها المتنوّعة لتأهيل قادة أكْفّاء ونزيهين لقيادة المجتمع والحفاظ عليه. وذلك يكون عبر التّعليم والتّثقيف والتّأثير المباشر وغير المباشر في الرّاغبين في العمل العام لتمكينهم من الحكم بضميرٍ صالحٍ بموجب مبادئ الدّين الأخلاقيَّة والأدبيَّة وحتّى السّياسيَّة.

 

نرى في المسيحيّة تأثير الكنيسة في الحياة السّياسيَّة للبلاد، عبر التّعليم الإجتماعيّ في الكنيسة الكاثوليكيّة، أو عبر مبادئ الحكم والسُّلطة التي أرستها بيانات الإصلاح الإنجيليّ. أمّا على مستوى الشّعب، فعلى الكنائس أن تُعلّم أتباعها المواطنة الصّالحة، وتحمّل مسؤوليّة الخدمة العامّة في بلدانهم بتوجيه من ضميرهم المسيحيّ الملتزم القِيَم من أجل تحقيق الخير العام والحرّيّة والعدالة واحترام الحياة الإنسانيّة.

 

وبإمكان الكنيسة أيضًا ممارسة التّوجيه الفكريّ للنّاخبين لاختيار المرشّحين الأفضل لحكم البلاد. فتُوجِّه المؤمنين لينتخبوا ليس على أساس الإنتماء الطّائفي، بل على أساس نزاهة المرشّح وسيرته الحسنة واتّزان شخصيّته ونظافة كفّه ومناعته ضدّ الرّشوة وتفانيه في الخدمة العامّة ومحبّته لشعبه والتزامه الأخلاق والقانون والعدالة ومبادئ الحكم الرّشيد.

 

نماذج سياسيّة فاضلة       

ومن واجب الكنيسة أن تسمح لأعضائها، وتُشجّع من هو كَفِيٌّ بينهم، على الإنخراط في الخدمة العامّة. لا بل من واجبها صناعة قادة يلتزمون مبادئ الحكم الرّشيد. من يدرس حياة ألفريد العظيم ملك مملكة ويسيكس (871 – 899 م) يجد أنّه كان مسيحيًّا حقيقيًّا أثّرت فيه كلمة الله فترك أثرًا كبيرًا في بريطانيا. أدرك أنّ البلاد لا تُبنى بالجيوش فحسب، بل وبتحصينها داخليًّا بإقامة العدل والمساواة وتنظيم القضاء وإزالة الفساد بين الناس وتعليمهم وإعطائهم كرامة. آمن ألفريد بأن السّلطة هي وكالة من الله، والملك يحتكم إلى القانون ويخضع لسلطته.

 

ويُشكّل رئيس وزراء هولندا، القسيس الإنجيليّ أبراهام كويبر (1837-1920) ظاهرة في التّاريخ المعاصر لبلاده. قدّم نموذجًا مميّزًا لراعٍ ولاهوتيّ ورجل دولة وصحافيّ في آن. كرّس كويبر كتاباته لنشر أفكاره الَّتي جمعت ما بين اللَّاهوت الإنجيليّ المحافظ والأفكار الاجتماعيَّة الرياديّة. انطلق من هذا الإيمان ليشرح فهمه لموضوع السّيادة في الدّوائر الإنسانيّة الثّلاث، الدَّولة والمجتمع والكنيسة، وبناءً عليه قال إنّ أيّ سلطة حكوميّة في الأرض هي بتفويض من الله وحده، وما الحاكم سوى أداة يستخدمها الله لكبح جماح الشّرّ، ولحماية الخير، ولحفظ البشريَّة من الدّمار.

 

أمّا في لبنان فيبقى الرّئيس أيوب ثابت (1875-1947)، رمزًا للسياسيّ الإنجيليّ الَّذي جسّد تعاليم كنيسته في حياته. شهد له عارفوه بالوطنيّة والأخلاق والتّواضع والنّزاهة والإستقامة والصّدق وبمحبَّة الحقّ والبساطة والإنضباط والإصلاح والعمل الدّؤوب والأداء القياديّ الصّامت والحازم والمحترم في آن. كان ثابت سبب إزعاج للسياسيّين والإداريّين الفاسدين الَّذين ضايقتهم قراراته المتزمتّة كمنع الرّشوة وشرب القهوة وأكل الفول أثناء الدّوام.

 

الأخلاق أساس النجاح

إذا كان الدّين يهدف إلى خلق مؤمن صاحب مواصفات روحيَّة وأدبيَّة عالية، فعلى رجل الدّين بدوره إلتزام النّاموس الأدبيّ، والنّزاهة والترفّع عن محبّة المال، والحكم بالعدل بحسب القانون، لئلّا يُقال له: يا طبيب طبّب نفسك! وقد ربط ماكس ويبر (1864-1920)، وهو المُفكّر الألمانيّ الإنجيليّ في كتابه المشهور: "أخلاقيّات العمل البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة"، ربط التقدّم الإقتصاديّ والإجتماعيّ لأيّ شعب بفكره الدينيّ وبمجموعة قِيَمِه الأخلاقيَّة وبظروفه النفسيّة.

 

ورأى ويبر أنّ الوعظ الإنجيليّ، يُحارِب السّلوكيّات المتفلّتة وغير المُفيدة ويُشدّد على استخدام المواهب والطّاقات استخدامًا صحيحًا ومنظّمًا ومثمرًا لمجد الله. آمن بأنّ المؤمن الحقيقيّ تتميّز حياته المهنيّة بالعقلانيّة والإنضباط وتحمّل الأعمال الشّاقّة وتطوير الكفاءات والمغامرة والحركة والإنتاج وعدم التّبذير واستخدام الوقت والجهد والمال بطريقةٍ سليمةٍ، وهذه كلّها كبرهان خارجيّ لاختبار خلاص المسيح الأبديّ. ويرى ويبر أنّ الأخلاق الإنجيليّة هي عامل مهمّ في نجاح المجموعات والدّول البروتساتنتيّة وتطوّرها، في بداية مراحل النّهضة الرأسماليّة.

 

هولندا وثورة الإنضباطيّة

يضع الباحث والكاتب العراقي حسن الخلف، نموذج العالم البروتستانتيّ أمام القارئ العربيّ في مناقشته طريقة الصّعود بمنطقتنا من واقعها المؤسف. فيقول إنّ أوروبا تحرّرت مع الإصلاح البروتستانتيّ من وَهمِ الخرافة إلى الدَّولة الحديثة والحداثة معتمدة سيف الإنضباط لخلق مجتمع أكثر نجاحًا ووعيًا.

 

يقتبس الخلف من كتاب فيليب س. غورسكي، "الثورة المنضبطة: دور الكالفينيّة في قيام الدَّولة في أوروبا الحديثة" الّذي شرح فيه نجاح المسيحيَّة الإنجيليّة في خلق مسيحيّ جديدٍ منضبطٍ أخلاقيًّا وسلوكيًّا ومنتجٍ ومُخلِصٍ يتفاعل بنشاط وسلاسة مع خطط السُّلطة ويُحارب الفساد والانحلال والضّعف والرّشوة والتهرّب من دفع الضّرائب والتبطّل والغشّ في العمل والإنتاج وملتزم القانون.

 

ويختار حسن الخلف هولندا نموذجًا لثورة الإنضباطيّة الَّتي نجحت عبر مؤسّساتها ومدارسها في خلق أجيال من الطلّاب "الَّذين رفدوا الدَّولة بكادر ممتاز، وبخلق مناخ وتقاليد شديدة الإنضباط والأخلاقيَّة، ترتكز في الّدرجة الأولى على الإنضباط في السّلوك، واحترام الوقت، وإتقان العمل وتقديسه والزّهد بملذّات الحياة... والإستقامة الّتي ظهر أثرها تدريجًا في البيروقراطيّة والمجتمع والجيش". ولا عجب أن تصل دولة كهولندا إلى هذا المستوى الرّفيع عندما يلتزم شعبها أخلاق العمل الَّتي علّمها المسيح. يؤكّد الكتاب المقدَّس أنّ "البرّ يرفع شأن الأمّة، وعار الشعوب الخطيّة" (أم 14: 34).

 

وفي الخلاصة، لا بد من طرح الأسئلة التّالية حين نبحث دور المؤسّسة الدّينية في محاربة الفساد وتعزيز مبادئ الحكم الرّشيد. هل تُعلّم هذه المؤسّسة رسالة دينيّة تعكس مبادئ الحوكَمة الرّشيدة وتطلب من أتباعها الإلتزام بها؟ هل يُمارس رجال الدّين الشّفافية ويخضعون للمساءلة المالية والقضائية أو تحميهم حصانة مطلقة فلا يُحاسَبون؟ هل يُشارك رجال الدّين العلمانيّين في اتّخاذ القرارات وفي إدارة أموال التبرّعات والهبات؟ هل هناك نظام انتخابي ديمقراطيّ يأتي برجل الدّين والمسؤول في المؤسّسة الدينيّة، أو هو نتاج نظام كاريزميّ، إلهيّ، لا يسمح لأحد أن يُحاسبه فيه؟

AddToAny