راحيل بطرس البستاني: فتاة الشّرق

الكاتب:
العدد:
السنة:

دوّن المؤرِّخ والأديب اللّبناني عيسى اسكندر معلوف سيرة حياة راحيل عطا البستاني بعنوان "فتاة الشّرق". لأنّه وجد في نوعيّة حياتها ونشاطاتها المتعدّدَة نموذج الفتاة الشّرقيّة. سلّط المؤرّخون كامل الضّوء على الكبير المعلّم بطرس البستاني، ولم يوفوا زوجته المميّزة حقّها، وتغاضوا حتّى عن ذكرها. كتب عالي سمث، المرسَل الإنجيليّ الأميركيّ في بيروت عام 1843، إلى أخيه يخبره عن فتاة خدمت عشر سنوات مع الإرساليّة. وصفها قائلًا، "فتاة مميّزة نادرة الوجود".لم تجذب راحيل في شخصيّتها وسماتها المرسلين الإنجيليّين وحسب، بل أيضًا نظر المعلّم بطرس البستاني الّذي برز كقائد في جماعة الإيمان الإنجيليّة النّاشئة.

 

الفرصة الذهبيّة

منذ وصولها إلى بيروت وضعت سارة زوجة عالي سمث نصب عينيها هدف تعليم الفتيات العربيّات، ومن بينهنّ الفتاة الصّغيرة راحيل. كانت تسكن مع أهلها في منزل قريب من بيت الإرساليّة الإنجيليّة في بيروت. تعرّفت سارة بهم وطلبت منهم السّماح لراحيل الانتقال إلى بيت الإرساليّة ليهتمّوا بتعليمها. قبلت راحيل بهذه الفرصة الذهبيّة الّتي قد لا تتكرّر. لكنّها كانت تزور عائلتها بشكل دائم. راحت سارة تدرّبها على القراءة، لا سيّما في الكتاب المقدّس، كما علّمتها اللّغة الإنكليزيةّ فأتقنتها جيّدًا. في هذه الأثناء تأسّست أوّل مدرسة للبنات في كامل نفوذ أراضي الإمبراطوريّة العثمانيّة. فالتحقت بها راحيل عام 1834، وكانت من أوائل التّلميذات فيها. تميّزت تلك المدرسة، بكونها مكانًا خلاّقًا للفتيات، وشجّعت على الحداثة في التّعليم. تضمّن منهاجها الدّراسي القراءة، تعليم اللّغة الإنكليزية، دراسة الكتاب المقدّس، والخياطة.

 

حرصت سارة سميث على أن يكون تعليم وتدريب راحيل متوافقًا مع التّراث الشرقيّ العربيّ وذلك لتعيش هانئةً وسط شعبها. لم تتبنَّ البستانيّة العادات الأجنبيّة وبقيت على سبيل المثال ترتدي الملابس اللّبنانيّة وتتحدّث باللّغة العربيّة. تشكّلت شخصيّتها ونضجت في أجواء ذلك البيت الإنجيليّ، فامتزجت قيَمها بالإيمان، والثّقافة الإنجيليّة، والتمدّن. عُرِفَت راحيل بتقواها وتمسّكها بالإيمان ومشاركتها حقائق الإنجيل مع الآخرين.

 

نضوج فكري

تأثّرت راحيل كثيرًا من حياة عائلة سمث وسلوكهم الزّوجي المفعم بالثّقة والإحترام واللّطف. راقبت تصرّفات عالي وسارة فنضجت نظرتها للأمور، وللعائلة، وللمرأة تحديدًا. رأت في علاقتهما نموذجًا للمساواة بين الرّجل والمرأة والعائلة المسيحيّة المثاليّة. امتلكت الجرأة لتتّخذ قراراتها وتعبّر عن رأيها بحرّية. رفضت عادة "الزّواج المدبّر" من الأهل، وأصرّت على حقّها في حرّية اختيار الشّاب الّذي تريده. آمنت بالزّواج المبنيّ على الحبّ والإحترام المتبادلَين وقالت إنّه نواة المجتمعات النّاجحة. ثمّ التقت راحيل بالشّاب بطرس البستاني وخدمت معه في مؤسّسات الإرساليّة الانجيليّة. فانجذب اليها، وطلب يدها للزّواج عام 1843. وفي نفس السّنة، قُبِلت عضوًا في الكنيسة الإنجيليّة الوطنيّة. كانت عائلة بطرس وراحيل فاعلةً ذات تأثير وبركة في الكنيسة. توفّيت سارة سمث عام 1963 فأطلقت راحيل الإسم سارة على طفلتها الأولى، لشدّة وفائها ومحبّتها وتقديرها لها.  أنجب بطرس وراحيل تسعة أولاد.

 

إنجازات ومساهمات

برزت راحيل كسيّدة مثقّفة، وتقيّة ورعة. تشير بعض المصادر أنّها سارت على درب زوجها القائد والمعلّم بطرس، تدوّن تأمّلاتها الرّوحيّة، وتعلّم في مدارس المرسلين. أسّست مدرسة للبنات في حاصبيّا وهناك ربّت أجيالًا ناشئة على تعاليم الإنجيل. ترجمت كتبًا للأطفال من الإنكليزيّة إلى العربيّة. وساعدت زوجها في ترجمة كتب للتّعليم اللّاهوتي في الكلّية البروتستانتيّة في عبيه حيث درّس لسنتين ( 1846-1848). لكن مع الأسف فُقدت السجلّات الّتي تذكر إنجازاتها الثّقافيّة والإجتماعيّة والرّوحيّة. عاشت راحيل 40 سنة مع زوجها حتّى موته إثر نوبة قلبيّة عام 1883.

 

كان لفتاة الشّرق، راحيل البستاني، تأثيرٌ فاعلٌ في حياة زوجها المعلّم بطرس ولا سيّما في نظرته المتحرّرة للمرأة. ظهر ذلك واضحًا في خطابه عن تعليم المرأة من منظور تبشيريّ للأسرة المسيحيّة النموذجيّة، في الجمعيّة السّوريّة عام 1850.

AddToAny