رافعين أجنحةً كالنسور

الكاتب:
العدد:
السنة:

يزداد المرء إيمانًا بكلمة الله كلّما أمعن النّظر في خليقته. يلاحظ أعماله فيمجّده. يدقّق في تفاصيل الكون والكائنات فيرى عظمته. يقارنها بالاكتشافات العلميّة فيلقى ردودًا لأسئلته الفكريّة ويُشبع فضوله للمعرفة.

 

دوّن النّبي أيّوب في سفره أمورًا مميّزة من عالم الطّبيعة؛ فدُعي بحقّ "موعظة الطّبيعة". يتعلّم منه الدّارس المتعمِّق الكثير عن حكمة الله الخالق ونعمته الغنيّة في التّعامل مع البشر. على سبيل المثال، يستخدم النّسر ليبيّن الحكمة والعنايته الإلهيّتين. لا يدرك النّبي لماذا يحلّق النّسر عاليًا، ولا يفهم كيف يفعل ذلك، ولا كيف ينظر من فوق في كلّ الاتّجاهات ليُعاين فريسته في الأسفل السّحيق، ثمّ ينقضّ عليها من مسافة بعيدة. يقول الله للنّبي، "أَمِن فهمك يستقلّ العُقاب وينشر جناحيه نحو الجنوب؟ أو بأمرك يحلّق النّسر ويُعلّي وَكره؟ يسكن الصّخر ويبيت على سِنّ الصّخر والمعقل. من هناك يتحسّس قوّته. تبصره عيناه من بعيد. فراخه تحسو الدّم، وحيثما تكن القتلى فهناك هو" (أي 39: 26-30)، تكشف هذه الكلمات النِّقاب على نوعين من الطّيور، العُقاب والنّسر. يحلّق كلاهما عاليًا ويمتلك إمكانيّة التحكّم بطيرانه. يحمل الهواء جسميهما الثّقيل بسلاسة وروعة ضمن ديناميكيّة نادرة في القيادة. خلقهما الله ومكّنهما من التّحليق المرِن في أثير الفضاء الفسيح.

 

    تستخدم الطّيور بحرفيّة ماهرة المطبّات الهوائيّة. هكذا تحلّق بأجنحتها القويّة في ارتفاعات شاهقة قلّ نظيرها. لقد ثبُت علميًّا امتلاك الطّيور الجارحة مجسَّاتٍ حراريَّة، تستشعر من خلالها وجود طيورٍ أخرى في مجالها الجويّ، فتتنبَّه لها ولمساراتها الهوائيَّة تجنّبا لأيّ اصطدام. وكما تحمل الرّياح السّفينة مستخدمة شراعها، كذلك تحمل الرّياح الجنوبيَّة النّسور حيثما شاءت. وكلّما فردت الطّيور أجنحتها بانسيابٍ كبير كلّما خفَّ الاحتكاك الهوائيّ فسَهُل طيرانها وازداد اختراقها المسافات. تحمل هذه الحقائق من الطّبيعة أبعادًا روحيّة تحفّز الإنسان ليعتمد على نعمة الله وعطاياه السّامية."أما عرفت أم لم تسمع؟ إله الدّهر الرّبّ خالق أطراف ٱلأرض لا يكلّ ولا يعيا. ليس عن فهمه فحص. يعطي ٱلمعيي قدرةً، ولعديم ٱلقوّة يكثّر شدّة. الغلمان يعيون ويتعبون، وٱلفتيان يتعثّرون تعثرًا. وأمّا منتظرو ٱلرّبّ فيجدّدون قوّةً. يرفعون أجنحةً كٱلنّسور. يركضون ولا يتعبون. يمشون ولا يعيون" (إش 40: 28-31).

 

يجب على المؤمن أن يرتفع بعيدًا عن الماديّة ليرتقي للعُلى ويسمو. يتطلّع إلى رئيس الإيمان ومكمّله، يسوع المسيح، فينأى محلّقًا فوق العثرات لئلاّ يخور ويسقط في رحلة حياته الشّاقّة. يتمسّك بفضاء المعرفة الفسيح وينطلق إلى النّور مخلّفًا وراءه ظُلمات الجهل والعمى الرّوحيّين. يُسلّم قيادة سفينته للرّبّ فيحرّره من قيود الخطيّة ويبحر به إلى شواطئ النّعمة والبركة والسّلام. هكذا يسمو في حياته الرّوحيّة ويرفع أجنحة كالنّسور مع أيادٍ طاهرة يدنو بها إلى عرش النّعمة السّماوي.