"سرّ" البركة

العدد:
السنة:

نجد ميلًا مشتركًا في فكر البشر للبحث عن نقطة واحدة أساسيّة، أو مبدأ رئيسيّ واحد يحلّ كلّ المشاكل ويبرهن عن كونه "سرّ" النّجاح. هذا الميل موجودٌ حتّى في الأوساط المسيحيّة، ادّعى بعض الوعّاظ والكتّاب في الماضي والحاضر، اكتشافهم المسألة المركزيّة الكبرى الّتي تقود إلى الفرح والثّمر الرّوحي الدّائميْن. وقد قُدّمت "أسرارٌ" مختلفة، كفكرة "الحياة العلويّة" من التّقديس بالإيمان، وفكرة ما يُسمّى بالمواهب الرّوحيّة، ومؤخّرًا برزت فكرة "التلذّذ بالرّبّ" كالمبدأ المحرّك للحياة المسيحيّة. ليس من الحكمة أبدًا فعل شيء واحد، حتّى ولو كان ممارسةً سليمة، واعتباره السّبيل الرئيسي الأوحد للبركة.

المسيح هو المفتاح لكلّ شيء بالنّسبة إلى المؤمنين، لمعرفته، وقبوله، ومحبّته، وخدمته، والشّوق للوجود معه. أعطانا المسيح "أهدافًا" عديدة في الملَخّص الأعظم للشّريعة، "تحبّ الرّبّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قدرتك ومن كلّ فكرك وقريبك مثل نفسك"(لوقا 10: 27). إذا كنّا، بعد أن تحوّلنا إلى المسيح بالنّعمة وحدها، نسمح لمعايير النّاموس الأخلاقيّ أن تفحص قلوبنا، وتلهم نفوسنا، وتوجّه قدراتنا وتملك على عقولنا، فإنّنا نضع بذلك رِجْلنا على الطّريق السّريع للتّقديس، معتمدين على معونة الرّوح القدس. يستمرّ النّاموس الأخلاقيّ في أن يكون معيارًا ومرشدًا وحافظًا لنا. حتّى الواجبات الرّوحية المميّزة كالإيمان والمحبّة والإخلاص الّتي في النّاموس الأخلاقيّ، وخاصّةً في الوصايا الّتي تتناول محبّة الله والثّقة به وحده، وتشدّد على الإخلاص.

كم نحتاج إلى القداسة! ما من تعبيرٍ حقيقيّ عن محبّة المسيح بدونها، وما من ضمانٍ عظيمٍ بدونها. يعتمد استخدام الربّ لنا في الشّهادة الشخصیّة ونموّ الكنيسة علی الحیاة المقدسة أيضًا، كما أنّ الصّلاة الفعّالة تحتاج إلى قداسة. القوّة في وقت التّجربة تأتي أيضًا من القداسة، فالرّسول بطرس إذ تحدّث عن كيفيّة التّعامل مع المشاكل، قدّم لنا "الأسلوب" التّالي كمناشدة تتويجيّة، "كونوا أنتم أيضًا قدّيسين في كلّ سيرة".

مَنْ يجرؤ إذًا على اختيار واجبٍ روحيٍّ واحد وجعله الوسيلة الوحيدة لنجاح كلّ التزام آخر؟ كلّمنا الرّب عن عائلاتٍ كاملةٍ من الخطايا كي نتجنّبها، وزوّدنا بفضائل نسعى في إثرها في النّاموس الإلهي المقدّس الّذي في الوصايا العشر، "لكي يكون إنسان الله كاملاً، متأهّبًا لكلّ عمل صالح".