سقوط الخيمة وانطلاق الروح

الموضوع:
العدد:
السنة:

ما الّذي يحصل لحظة الموت؟

يُصوّر كلّ من بولس وبطرس أنّنا الآن، في حياتنا الجسديّة، نسكن بيتًا موقتًا أو خيمةً هشّةً تُظلّلنا وستُخلع عند الموت لتنطلق الروح من سجنها فيتركها الإنسان ليذهب إلى بيته الأبديّ. "لأنّنا نعلم أنّه إن نُقِضَ بيتُ خيمتنا الأرضي، فلنا في السّماوات بناءٌ من الله، بيتٌ غير مصنوع بيد، أبديٌّ". (2كو 5: 1؛ 2بط 1: 13-15). ويعرف الإنسان أنّه سيخسر حياته الجسديّة، إذ لا مجال للمحافظة عليها عند الموت بأيّ شكلٍ من الأشكال، إذ لا بُدّ لهذا الفاسد من "أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت" (1كو 15: 53).

لحظة خروج الروح

أمّا ما يحدث، لحظة خروج الرّوح، فهو أنّ الجسد يفقد مُحرِّكَه ومُحيِيه فيهبط وينهار، "فالجسد من دون روح ميت" (يع 2: 26). وهكذا، في لحظة الانعتاق تلك، نُعرّى من أصدقائنا وأهلنا ومالنا وبيتنا وكلّ ما لنا، ونترك حتّى جسدنا خلفنا لننطلق إلى مكانٍ آخر. لطالما سمعتُ كبار السّن في المآتم يقولون: "لا يأخذ الإنسان معه شيئًا". وهذا عين ما اختصره أيوب بلغة رمزيّة: "عريانًا خرجت من بطن أمّي، وعريانًا أعود إلى هناك"، أو عبّر عنه بولس الرسول بلغة واقعيّة: "لأنّنا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أنّنا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (أي 1: 21؛ 1تي 6: 7).

أمّا الإنسان فيتمسّك بحياته الجسديّة لأكثر من سبب. فهو من جهة يُحبّ الحياة، ومن جهة أخرى يخاف أنّه في حال خسر جسده، يخسر "أناه" الجامعة. فهو دائمًا يسأل هل عند موته يبقى هو إيّاه، أو عند خروج روحه يخسر جسده وروحه معًا أو أنّ روحه تعود إلى الذّات الإلهيّة لتنضمّ إليها ولا تكون في ما بعد بشكلٍ مستقلّ وخاصّ!

الكتاب المقدّس يؤكّد أنّ الجسد يموت عند خروج الرّوح، والرّوح تنطلق منفردة لتقف أمام الله الذي أعطاها (تك 2: 7؛ جا 12: 7). لا يستطيع أحد أن يرافق الرّوح في مسيرتها الأخيرة. أمّا الجسد فيوصله الأقارب والأصدقاء إلى المدفن ويرجع كلّ منهم إلى بيته. حتى إنّ الجسد لا يرافق صاحبه، فهو يقع خلفه عاجزًا عن الإمساك بالرّوح التي بدورها لا تقدر أن تتحصّن فيه. يعترف سليمان الحكيم: "ليس لإنسانٍ سلطانٌ على الرّوح ليُمسك الرّوح" (جا 8: 8).

هل نفقد الوعي؟ وماذا عن الذّاكرة؟

الإنسان مخلوق مُركَّب فيه طبيعتان روحيّة وماديّة. ويؤكّد علم الأحياء أنّ في الجسد خلايا تتغيّر مرارًا كلّ سبع سنوات. أمّا الطّبيعة الروحيّة، وهي التي تسكن في الجسد وتحييه (أي 32: 8)، ففيها الذاكرة والشخصيّة الإنسانيّة والإنسان الباطن الواعي، وهي إن كانت تتطوّر إلّا أنّها ثابتة وخالدة في الإنسان لأنّها تسكن في الرّوح على الرّغم من أنّ الجسد يُنقَض ويُنزَع عنها. (1كو 2: 11). من يقرأ كلمة الله يعرف أنّ هذا الجسد لم يبنه إنسان بل الله. وهو كغلاف ترابيّ للروح. ومتى أمر الله وسحب الرّوح من داخل الإنسان، يتوقّف عن الحياة، ويعود ترابه إلى الأرض التي أُخِذَ منها.

وعند اقتراب لحظة الموت يحتدم الصراع بين الجسد والرّوح لينفصلا أحدهما عن الآخر، فيتوجّع الجسد وتنوح الرّوح في عراكها لتخرج من الجسد، إلا أنّها لا تموت (أي 14: 22؛ 1كو 2: 11؛ مت 10: 28). وعندما يُقرَع الجرس الأخير، تنطلق الرّوح من الجسد إلى الله. إنّها لا تعود إلى التراب لأنّها ليست من التراب. الجسد يعود إلى أصله. والرّوح تعود إلى الّذي أعطاها. (جا 12: 7). وهكذا، عند مغادرة الرّوح للجسد، "يُغادر" الإنسان الواعي أو "ينطلق" ليكون في مكان آخر. ولكون بولس الرسول كان رجاؤه في المسيح، عَدَّ أنّ خروجه من الأرض ليكون مع سيّده، هو الأفضل له من البقاء في الأرض. قال بولس والرجاء يملأ قلبه: "لأَنَّ لِيَ الْحَيَاةَ هِيَ الْمَسِيحُ وَالْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. وَلكِنْ إِنْ كَانَتِ الْحَيَاةُ فِي الْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي!  فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا." (في 1: 21-23؛ 2تي 4: 6). وكان سمعان الشيخ اطمأنّ إلى خروجه إلى الأمجاد عندما قبِلَ الطفل يسوع عند باب الهيكل في أورشليم: "الآن تُطلِق عبدك يا سيّد حسب قولك بسلام لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك" (لو 2: 29-30).