سقوط روما

الكاتب:
العدد:
السنة:

انهارت الإمبراطوريّة الرّومانيّة العظيمة مع سقوط روما عام 479م فغرق العالم الغربي في عصورٍ مظلمةٍ سياسيًّا وإقتصاديًّا ودينيًّا. كان الخبر صادمًا. سمع جيروم، وهو ساكن في كهف قريب من بيت لحم ،يكتب شرحًا لسفر حزقيال. فبكى قائلًا، "من كان يظنّ أنّ روما، ساحقة العالم،ستُسَحق بدورها؟ إنّها أمّ العالم وستكون قبرهم!". فاعتقد المسيحيّون أنّ نهاية العالم اقتربت، ومجيء الرّب بات وشيكًا.

 

أسباب سقوط روما

يشير إداورد جيبون في مؤلّفه، "انحطاط الإمبراطوريّة الرّومانيّة وسقوطها"، إلى خمسة عوامل: إنهيار الأسرة وتقويض حرمة البيت، وتزايد معاملات الطّلاق، وانحطاط المجتمع أخلاقيًّا بكلّ اتّجاهاته وأطيافه وانتشار الشّذوذ الجنسيّ والمثليّة. طوّر الرّومان أسلحة ثقيلة لحروبهم الخارجيّة وتجاهلوا أعداءهم في الدّاخل ممّا ساهم في إضعافهم. ويذكر أخيرًا انكفاء الإيمان واستبدال الحيويّة الدّينيّة بالمظاهر الشكليّة واللّامبالاة وضعف القوّة الرّوحيّة. من يدرس تلك الحقبة يضيف أسبابًا أخرى، منها: انتشار الفوضى السّياسيّة وانعدام الثّقة في قادة الدّولة، وإنهيار العدالة، والفشل في المحافظة على النّظام والقانون، وزيادة الضّرائب، والنّزوح الجماعي الكثيف من الأرياف إلى المدن.

 

الغزوات البربريّة

تنامت الإمبراطوريّة الرّومانيّة قويّةً ومحصّنةً في كلّ الإتّجاهات، ما عدا على طول حدودها الشّماليّة. سكنت القبائل الإلمانيّة التيوتونيّة القويّة في شرق نهر الرّاين وشمال نهر الدّانوب. كانت تخشى قبائل الهون (Huns) المتوحّشة خلفها أكثر من الرومان أمامها. في عام 376م، أي قبل سقوط روما بمئة سنة، عبرت أولى القبائل البربريّة المعروفة بالقوط الغربيّين (Visigoths) نهر الدانوب السُّفلي بهدف توسيح حدودها. ثمّ عبر القوط الشّرقيّون (Ostrogoths) الحدود الرّومانيّة. واجه الغوط الجيوش الرّومانيّة في معركة أدريانوبل فدحروها ودمّروها. بعد ذلك درّب الإمبراطور الرّوماني الشرقي ثيودوسيوس جيشًا كبيرًا وانتصر عليهم. غادر البرابرة الجزء الشّرقي من الإمبراطوريّة وتحوّلوا إلى قسمها الغربي باتّجاه روما. دخلها ألاريك الأول عام 410م ونهبها. بعد موته، تعايش رفاقه مع الرّومان. استقرّ القوط الشرقيّون في إيطاليا بعد سقوط روما عام 476م، والقوط الغربيّون في جنوب بلاد الغال (فرنسا) وشمال إسبانيا.

 

عبرت قبائل الفاندال (Vandals) البربريّة بلاد الغال وإسبانيا. غزوا شمال افريقيا واتّجهوا نحو روما بقيادة جنسريك (Genseric) ونهبوها عام 455م. استقرّوا في جنوب إسبانيا وشمال أفريقيا. اندفعت قبائل الهون (Huns) الشّرسة من أواسط آسيا إلى بلاد الغال بقيادة أتيلا (Attila). خاف القوط فاتّحدوا مع الرّومان وانتصروا عليهم في شالون شمال شرقي فرنسا عام 351م. فتراجع أتيلا وجيوشه وكُسرت قوتهم.

 

عام 410م اضطرّت الجيوش الرومانيّة إلى مغادرة بريطانيا للدّفاع عن بلاد الغال وإيطاليا. فسقطت إنكلترا في يد البرابرة الوثنيّين القساة، القادمين من شمال ألمانيا عبر بحر الشّمال فدمّروا الكنائس المسيحية في شرق انكلترا وجنوب شرق اسكتلندا. في عام 476م هاجم بربريّ إلماني يُدعى أوداكر (Odoacer) مدينة روما ودحر روميلوس أوغسطوس (Romulus Augustus) وجيوشه الرّومانيّة. فانتهت الإمبراطوريّة العظيمة.

 

ملاحظات حول الغزوات البربريّة

اعتنقت قبائل بربريّة عديدة المسيحيّة الآريوسيّة. لم تكن عقيدتهم سليمة لكنّهم تعاطفوا مع إخوتهم المسيحيّين الحقيقيّين فساهموا في إنقاذهم من الموت، وحافظوا على ممتلكاتهم الكنسيّة. سيطر البرابرة على كامل القسم الغربي من الإمبراطوريّة وحوّلوها إلى ما يُشبه الولايات المنفصلة. فاستقرّ الكاثوليك والآريوسيون والوثنّون جنبًا إلى جنب على مضض. لم يكن البرابرة أغبياء لكنّهم لم يستطيعوا الكتابة والقراءة.فلم يقدّروا الثّقافة والعلم، ودمّروا الكثير من الثّقافة المسيحيّة الرّومانيّة.

 

تأثير سقوط روما على المسيحيّة

لا أحد يعرف فكر الرّب ولماذا يسمح بقيام الإمبراطوريّات وسقوطها. كلّ حدث في التّاريخ له إيجابيّاته وسلبيّاته الّتي تعمل معًا لخير ملكوت المسيح وانتشاره. يذكر هذا المقال بضعة عوامل أثّرت في المسيحيّة نتيجةً لسقوط روما.

 

أوّلًا، تحويل الثّقافة الرّومانيّة الى الشّرق. نقل الإمبراطور قسطنطين عاصمته من روما إلى بيزنطيا عام 330م لأسباب سياسيّة وعسكريّة. وجعل اسمها "القسطنطينيّة" تيمّنًا به. ازدهرت المدينة جدًّا واستقطبت التّجارة العالمية آنذاك وصارت مركزًا للعلم. حين سقطت روما والقسم الغربي، تحوّلت الثّقافة اللّاتينيّة - اليونانيّة كليًّا إليها. بقيت القسطنطينيّة مسيحيّة حتّى استولى عليها العثمانيّون عام 1453م، وسمّوها "اسطنبول".  

 

ثانيًا: بروز شخصيّة أسقف روما. هرب قادة المجتمع من روما إلى الشّرق بسبب الغزوات البربريّة. وكان الإمبراطور قد غادرها سابقّا. اعتنق البربارة المسيحيّة، فأصبح الأسقف الرّوماني الشّخصيّة البارزة في المدينة وزادت سلطته المعنويّة. كان النّزاع في الشّرق شديدًا بين الإمبراطور وأسقف القسطنطينية الّذي طالما احتكم إلى أسقف روما. زادت سلطة هذا الأخير كزعيم سياسيّ بدون منازعٍ وهو أيضًا قائد دينيٌّ. ساهم هذا الأمر في تأسيس النّظام البابويّ.

 

ثالثًا: تعليم القبائل الهمجيّة: كانت مهمّة الكنيسة مزدوجة، تحويل الوثنيّين إلى المسيحيّة وتثقيفهم. أتى معظم البرابرة من خلفيّة غير مسيحيّة. وبعضهم كان آريوسيًّا في عقيدته. بعد خمسمئة عام على سقوط روما، أي سنة 1000م، أصبحت الأمم الأوروبيّة الجديدة مسيحيّة. وصار البرابرة أنفسهم مبشّرين بارزين. باتريك، الرّاهب البريطاني، ربح إيرلندا للمسيح. كرز كولومبا الإيرلنديّ في اسكوتلندا. أخذ بونيفاس الإنجيل إلى المانيا، وويلبورد إلى هولندا.

 

رابعًا: نموّ الحركة الرهبنيّة. تنسّك أوّلا أنطونيوس من مصر عام 270م. ثمّ انتشر التنسّك وتجّمع الرّهبان في أديرة للإبتعاد عن الممارسات الدنيويّة ومغريات العالم التّي غزت الكنيسة. رغبوا في حياة مقدّسة لم تؤمّنها لهم الكنيسة. تضاعف عدد المسيحيّين الرّاغبين بالتنسّك بعد سقوط روما. استخدم الرّبّ هذه الحركة لنسخ الأسفار المقدّسة، والحفاظ على المخطوطات القديمة والّثقافة اليونانيّة الرّومانيّة، وتأسيس المدارس لمحو الأميّة في العصور الوسطى، وفي العمل الإرساليّ التّبشيريّ، والخدمات الإنسانيّة للمنبوذين.

 

خامسًا: قبائل الفرنج. استقرّ كلوفيس ملك الفرنج وقبيلته في شمال بلاد الغال. بعد انتصاره في الحرب عام 496م، اعتنق المسيحّية مع ثلاثة آلاف جندي دُفعة واحدة. في وقت لاحق تحوّلت قبيلته بأكملها إلى المسيحيّة إرضاءً لملكهم أكثر منه فهمًا لرسالة الإنجيل. فكانت أوّل قبيلة بربريّة في التّاريخ تعترف بالمسيحيّة ديانةً لها. قبل كلوفيس المبدأ الكاثوليكيّ مقابل القبائل الآريوسيّة. وقفت المسيحيّة الكاثوليكيّة إلى جانبه سياسيًّا. استخدم الله هذا الأمر بعد ذلك بمئتي عام لدحر الجيوش العربيّة المندفعة إلى أوروبّا. ففي عام 732م انتصر تشارلز مارتل الفرنجيّ في معركة تورز، وحافظ على المسيحيّة في أوروبّا. هكذا يعمل الله في التّاريخ بشكل غير مرئيّ ليحافظ على كنيسته وشهادة يسوع المسيح.

AddToAny