شهوة الإقتناء وسقوط بيت أوراق اللعب

العدد:
السنة:

يحبُّ الإنسان التفرّد بآرائه وممتلكاته واختياراته وطريقة عيشه. ولكونه مخلوقاً ينمو وسط المجتمع، فهو يسعى دائماً للظّهور بأبهى الحلل وأجملها وبأحسن طلعة. وعبثاً يحوّل نظره عن مقتنى غيره، فلا تتوقّف المقارنة حتّى يفتقده الله ويُغيّره أو يخرج من ساحة الحياة. الإنسان لا يعرف أنّه يؤسّس مسالك الغيرة في خيمةٍ مِن رقائق تكاد تُتلَف في أيّ لحظة. هل يعود السّبب لشهوة الإقتناء؟ أم لأنّه ضحيّةٌ عالقةٌ في دوّامة الهواجس لاكتساب المزيد؟ وحيثما سرَت العادة بإضافة القيمة لمَن يقتني أكثر، هام المغبون لجمع ما استطاع مِن الزّائل البرّاق.

والّذي يُسلّط الضّوء خلف طيف الواقع، ما خطّه قلم كاتب سفر الأمثال "من يُحِبّ الفضّة، لا يشبع من فضّة، ومن يُحِبّ الثروة، لا يشبع من دخل". فحالما يُغيّب حقيقة احتياجه للّمال بغية عيشةٍ كريمة، يُطرح فريسة حُبّ جمع الثّروات، وغالباً ما يُمسي في شباك البخل والبغض والغضب وأسير كتلة مشاعر مشوّشة. فيا حبّذا لو أدرك مخاطر البناء على أسسٍ ورقيّة، لكان هرع يلتمس معيناً ينقذه مِن بليّته.

وبينما يجوب الإنسان بقاع استحصال مقتنىً فاخر، يصعب جلاء ضبابيّة الجشع الّتي تحجب عن اهتماماته عيون محبّيه الدّامية. ويا ليت الزّمان يتكلّم فيُبيّن كم تفاقمت هشاشة الأشياء والمقتنيات. ولو أُعطيَت للرّيح فرصةٌ، لَشهِدت على عجز الأوراق أمامها مهما خفّت نسائمها.

وما انفكّت مظاهرُ ورقيّة، مهما قست أو قويَت متانتها فلن تصمد بل تنحدر إلى الفناء. ولو ذكر الإنسان جبلته التّرابيّة، لَأمسى متواضعاً يلازم مَن نفخ في أنفه نسمة حياة، فيُدرك واقعه ويُعيد ترتيب أولويّاته بطريقةٍ صحيحة. وبالمقابل، تكشف أولى صفحات سفر التّكوين مدى سذاجة من اكتسى بأوراق التّين. فكيف لو كان السّكن مشيّداً بصفائح رقيقة؟ هل سيصمد التّعالي بقساوته وثقله؟

بالإضافة، فلن يخبوَ الحسد في هُزل ما شيد من مادّة تكاد تهوي وتلتوي وتزول. أذكر حينما كنت أنفّذ نشاطاً مع تلاميذي، حيث انشغل كلّ فريقٍ بصنع بيت من أوراق اللّعب، كم عانوا من إعادة لصقه مراراً وتكراراً ليحصلوا على أفضل منزلٍ ورقيّ حتّى يفوزوا بالجائزة. ويا للغرابة، فأفضلها كان ملتوياً.

أليست الفضائل والشّمائل ما يعبق من ذكرى الإنسان؟ فيا حبّذا لو تناثرت في ذرّات عطرٍ على طيّات صفحات الحياة، لدام منعشاً عبيره كلّما تمايلت النّسائم في عليل اللّيل والسّكون.