صاحب القائد أم صديقه؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

إلتقيت أناسًا من كلّ الأطياف إبّان رحلتي الطويلة في خدمة القيادة الرعويّة. ظهرت بوادر القيادة في شخصيّتي منذ حداثتي. الأمر الّذي جعلني قريبًا ومحبوبًا ومبادرًا. ما كدت أُنهي دراستي الجامعيّة في حقلَي العلوم واللّاهوت حتى رأيتني محاطًا بعددٍ كبيرٍ من الأصحاب. مرّت أربعون سنة والنّاس تأتي وتمكث وتغادر. يترك من يغادر ندوبًا سلبيّة أو بصماتٍ إيجابيّةً. في الحالتين كنت أقف محتارًا ومرتبكًا، صامتًا ومصلّيًا، مراقبًا ومتعلّمًا، وأحيانًا دامعًا ومتالّمًا. خلاصة الأمر أنّ الّذين يرافقون القائد ويصاحبونه كثرٌ، وقلّة يتفهّمونه، ونَدرة يساندونه. يطلب أحيانًا صديقًا ولا يجده. فما هو الفرق بين صاحب القائد وصديقه؟

 

الصّاحب المستفيد

يقول حكيم الكتاب المقدّس، "المكثر الأصحاب يُخرب نفسه، ولكن يوجد محبّ ألزق من الأخ" (أمثال 18: 24). النّوع الأوّل هم أصحاب غير موثوق بهم، مجرّد مرافقين مستفيدين وإنتفاعيّين. يواجه القادة دائمًا أشخاصًا يتشاركون ببركات قيادتهم ناهلين من كلّ منابعها. يأخذون أكثر ممّا يقدّمون وقد لا يعطون شيئًا بالمقابل. يشكّل هؤلاء غالبيّة المحيطين بالقائد. يعملون بوعي أو بدون قصد على خرابه. كثيرًا ما يُخذلونه، ويختفون كالزئبق في وقت الشدّة.

 

يكتشف القائد في مشواره الطّويل وجود أصحاب مؤقّتين ودائمين. ويدرك، بعد فوات الأوان وانكشاف المعدن الحقيقي للصّاحب، أنّه ألحق به أذى نفسيًّا كبيرًا وتسبّب له في الشعور بالخيبة. سار برفقته ردحًا من الزّمن. تجاذبا أطراف الحديث. خدما الرّب معًا. كان له مرشدًا وناصحًا وراعيًا ومشجّعًا. شاركه بمشاعره ورؤيته وأحلامه. لكنّه ما أن استشعر بخطر ما يحدق بالقائد حتّى لوّح له بالمغادرة، وابتعد بينما يكون في أمسّ الحاجة إلى سند حقيقيّ. لذا يتوجّب على القائد أن يتروّى في اختيار "صديق".

 

الصّديق المفيد

الصّنف الثّاني في قول الحكيم هم الّذين يحبّون القائد محبّة عائليّة أخويّة. يعرّف المعجم الصّديق بصاحب صادق الودّ، تتوفّر فيه صفات الصّدق والمصداقيّة والنّزاهة. يواجه القائد أمثال هؤلاء بنسب قليلة ومتباعدة ونادرة. أناس لا تُثنيهم الظروف، مهما كانت عصيبة وممرّاتها مظلمة، من الوقوف إلى جانبه. يحضرون في وقت الضعف والإنكسار، تلتفّ ذراعهم لاحتضانه في عناق صامت تحمل كلّ معاني الوفاء. يكنّون له مشاعر صادقة، معطاؤون بطبيعتهم، لا ينتظرون بالمقابل، ولا مصلحة شخصيّة لهم في علاقتهم به.

 

يصرّح الحكيم أيضًا بأنّ "الصديق للشدّة يولد". يضعه الله في طريق القائد نقطة ارتكاز حين يصيبه خلل، عقلًا متّزنًا متى يفقد صوابه، وبصيرةً نيّرةً عندما تتشوّش رؤيته. يردّ غيبته ولا يتحدّث بالسّوء عنه. يدافع عنه كالجندي عن وطنه أثناء الحرب. لا يتغيّر ويتلوّن ولا يصبغه الزمن بالغدر والخيانة. يجب على القائد التّشبّث به إذا وجده.

 

أمثلة كتابيّة

يصوّر الكتاب المقدّس في عهديه نوعي الأصحاب المرافقين للقائد. أطلق يسوع على يهوذا الإسخريوطيّ لقب الصّاحب لما سلّمه. خان أخيتوفل الملك داود وهو مشيره حين انقلب أبشالوم ضدّه. وديماس ترك بولس في السّجن بدل أن يمكث معه ويسانده كما فعل فيلمون. بالمقابل نجد يوناثان الّذي أحبّ داود كنفسه وتشبّث به في المواقف الصّعبة. وجسّد برنابا "ابن التشجيع"، الصداقة الحقيقيّة إذ حثّ التّلاميذ المشكّكين على قبول شاول الطرسوسيّ بينهم.

 

أصدقاء القائد مع ندرتهم مصدر تشجيع وتعزية له. يعتمد على الربّ أوّلًا، ويستمدُّ من روحه القدّوس قوّة للإستمرار. لكنّه أيضًا يحتاج إلى صديق "يلزق" به كأخٍ يسنده ويقدّره ويعمّق علاقته به.

AddToAny