صمتٌ راقٍ

العدد:
السنة:

هل اختبرتَ يوماً قوّةَ وقعِ الصّمت في مواقف صعبةٍ ومؤلمة؟ سؤالٌ يحملنا إلى لحظاتٍ حاسمةٍ في خضمّ صراعٍ داخليّ، كاد يغلب حينذاك الصّراخ بردٍّ جارح الألفاظ، إلى أن انجلت أهميّة الهدوء الأخرس وساد الصّمت. هذه الحالة هي نتيجة استصغار ما يجري، وإدراك البعد الناتج عن ردود الفعل السّريعة. وغالبًا ما يكون ردٌّ بفعل الصّدمة، إذ لا تتوقّع هذا التّصرّف من شخصٍ لطالما حسبته صديقًا أقرب إلى قلبك من إخوتك وأهلك. يصيبك شللٌ كلاميٌّ، وتتجمّد مشاعرك، فتُخطف إلى عالم غريب حيث تعي أنّك قُطعت من واقعٍ ما كان إلّا وهمًا يؤلمك مرّتين. من جهة أنت مخدوع بمن عايشته رفيقًا، ومن جهة أخرى مجروحٌ غريبٌ بفارق الثّقة والأحاسيس.

عندما يبلغ ألمك ذروته يختفي أنين أنفاسك خجلاً، وتسودُ ملامح الحيرة والاستغراب. وإذا صادفتك مسائل تحسبها غامضة، لأسباب صعبة الاستنتاج، تصمت لتعلم ما ستكشفه لك الأيّام منتظراً جلاء الأسرار المحجوبة بحالك الظّلام. يبرهن هكذا تصرّف ذكاءً يتحلّى به صاحب الموقف. أمّا حين تطلق أحكامًا تدرك لاحقًا أنّها بجملتها خاطئة، ماذا سيكون موقفك من نفسك أمام ذاتك وأمام مَن سمعك ووثق بأحكامك؟ كيف ستكون ردود فعل النّاس عندئذٍ في كلّ مرّة تصدر نصائح أو تحلّل أحداثاً؟

إلتزام الصمت في أحيانٍ كثيرةٍ ينقذنا من مشاكل جمّة. صرخته أعلى ووقعه أرقى من بوح الكلام. ورد على فم الحكيم في الكتاب المقدّس، "بل الأحمق إذا سكت يحسَب حكيمًا، ومن ضمّ شفتيه فهيمًا." فيا عجبي مِمَّن استطاع الارتقاء لمجالس الحكماء! غالبًا ما يكون اختفاء الصّوت والكلام الحلّ الوحيد، والوسيط الأنجع، لاكتشاف ما نغفله وسط ضوضاء تعابيرنا الّتي تحجب عنّا استماع ما يُقال باللّسان وبالتّصرّفات.