طائر الهامينغبيرد والدّيناميكيّة الرّوحيّة

العدد:
السنة:

طائر الهامينغبيرد (Hummingbird) فريدٌ في نوعه، صغير وملوّن ولا يتعب من التّحليق في الجوّ مدّة طويلة. ينجذب كثيرون إعجابًا بخفّة جناحيه، وسرعته القياسيّة في الطّيران، وقيامه بحركات بهلوانيّة في عمق الأثير. يقف في الفضاء بالقرب من زهرة فاح أريجها. يحرّك جناحيه بتوازن وهو يمتصّ رحيقها بكفاءة عالية لساعات طويلة. من ثمّ يتراجع إلى الوراء ثابتًا بدون تغيير في مستوى الطّيران حتّى يبتعد متّجهًا إلى مقصده.

 

أظهرت الدّراسات الحديثة أنّ جسم هذا الطّائر العجيب وجناحيه يولِّدان طاقة حراريّة هائلة، خلال التّحليق، قادرة على حرقه إشتعالًا. فاستخدم العلماء كاميرات تعمل بالأشعّة ما تحت الحمراء لتصوير الهامينغبيرد أثناء طيرانه. تفاجأوا من اكتشاف مُبرِّد (Radiator) موجود في جسمه ينقل الحرارة الزّائدة إلى الأرجل والكتفين والعينين ويوجّهها إلى الخارج فلا ترتفع حرارة جسمه على الإطلاق. يستعمل هذا الطّائر أيضًا الهواء ليصدر أصواتًا رائعة خلال تحليقه بواسطة ضربات أجنحته. من هنا تسميته بالهامينغبيرد. يشير كلّ هذا إلى إبداع الخالق وعظمته وتنظيمه العجيب لخليقته.

 

يتعلّم الإنسان ثلاثة دروس على الأقلّ من طائر الهامينغبيرد المميّز. يتنبّه أوّلًا إلى ضرورة تركيز الإتّجاه وتصويبه نحو الهدف والمثابرة على تحقيقه. يتوجّه هذا الطّائر نحو النّبتة، ولا يتوقّف عن امتصاص رحيقها لعدّة ساعات، حتّى الإكتفاء. إنّ تحقيق الأهداف في الحياة بمواظبة، والعمل بجدّ حتّى إنجازها، هو من أساسيّات النّجاح. يتعلّق الدّرس الثاني بالدّيناميّكيّة الرّوحيّة. فهو يمتلك طاقة هائلة من الحرارة تمدّه بالقوّة اللاّزمة لإشباع حاجاته. من الضّروري أن يمتلئ المؤمن بالرّوح القدس الّذي يزوّده بالقوّة والحيويّة لإتمام مشيئة الله وعبادته وطاعة أحكامه. يتعلّم منه ثالثًا، كيفيّة التّحليق في أجواء الحياة الرّوحيّة، تمامًا كما يحلّق الهامينغبيرد في الفضاء الفسيح بحريّة وانطلاق. يرتفع المؤمن عاليًا في فضاء النّعمة الفسيح، ويسمو إلى منابع الحياة الفيّاضة الفائقة الوصف والإدراك.

 

تعلّم الرّسول بولس هذه الدّروس الثّلاثة في مسيرة حياته الرّوحيّة، فحقّق أهدافًا عالية. وأنشد في نهاية درب الحياة، "قد جاهدتُ الجهاد الحسن. أكملتُ السَّعي. حفظتُ الإيمان. وأخيرًا قد وُضِع لي إكليلُ البرِّ، الّذي يهبُه لي في ذلك اليوم، الربّ الدَّيَّان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذّين يُحبُّون ظهوره أيضًا". مثّل النبّي إشعيا مسيرة الإنسان مع الله بنسر يُجدّد قوّته، ويرفع أجنحته محلّقًا في فضاء النّعمة، يركض ولا يتعب، يمشي ولا يُعيا، يتّجه نحو الهدف وهو ينظر إلى رئيس الإيمان ومكمّله.

AddToAny