طَوق الحنين بين القلب والخيال

الموضوع:
العدد:
السنة:

مشاعرُ قويّة تشُدُّنا إلى ماضٍ قريبٍ أو بعيد.

لحظاتٌ تعودُنا بدون استئذان فتسرقنا وتُسافِر بنا لذلك المكان بعطره ومناخه وتفاصيله. مشاهدُ تمرُّ راسمةً لوحاتٍ بريشةِ الذّكرياتِ فتراها تارةً تطبعُ بسمةً بألوانها الزّاهية وطوراً تبلِّلُ المقل بطيّاتها الحالكة الدّاكنة...

ولكن في شتّى الأحوال لا بدَّ أن تخلّف في النّفس شوقاً يُفرِغُ القلبَ من ضجيجه. فياحبّذا أن يكونَ حنيناً غير مصبوغٍ بما يُعمي مَن استحضر الماضي القبيح بصورةٍ مجمّلة. ولا بدّ أن يخطر على بالي مشهد الشّعب في القديم عندما علا صوتُ التّذمّر في خيمهم على موسى وهرون بالقول: "يا ليتنا مُتنا بيد الرّبّ في أرض مصر، إذ كنّا جالسين عند قدور اللحم نأكل خبزًا للشّبع. فإنّكما أخرجتمانا إلى هذا القفر لكي تُميتا كُلَّ هذا الجمهور بالجوع". يا لهذه المقاربة! فكيف هاموا يستذكرون حياة العبوديّة الماضية القاسية بقدور اللّحم؟ متناسين ألم النّفس والجسد بفعل السّخرة والإهانة. هذا مرض الحنين الموهوم الّذي ينسج واقعاً مغايراً لما عاشه الشّخص المتألّم أو الّذي تعرّض لعدّة صدماتٍ فتراه يتوارى في بقعة الخيال الواهي. فما انفكَّ يغوص في اسوداد التّشويش والأفكار الخائبة. وما برِحَ يزداد انحداراً لحاله المرضيّة. بينما العلاج يكمن في رؤية الواقع الأليم وتقبّله في انتظار شفاء الجروح والكدمات النّفسيّة.

أمّا حينما تسرقنا نسمةٌ عطِرة ليومٍ مُشرق، فحينئذٍ يغدو السّبيل مضاءً ليصلنا بتلك اللّحظات ويجدّد للقلب فرحه. ولايسعني إلّا أن أحدّث عمّا خالج قلبي أمام عبق عطرٍ . فقد حرّك في داخلي مشاعر متناقضة من الحبّ والألم والحزن والفرح. إنّه عِطرُ أختي الّتي سلختها عنّي الأيام والظّروف الحياتيّة. في ذلك اليوم، عبر بي إلى مدخل بيتها حيث يستقبلني في كلّ مرّة ليقودني إليها. ألعلّ الشّوق يخلق ذلك الإرتباط بالأشياء كما بالأشخاص؟ أو هل العوامل المحيطة بنا تجبل أحاسيسنا مع الحسيّات؟

يبقى الأهمّ لعيشٍ كريمٍ وسويّ وزن القلب والخيال في موازين العقل السّليم. فكلّما اتّزن العقل وصان الإنسان كلّما أُضيف للمجتمع فائدة وأمناً وأماناً. فيا حبُّ التزم العقل مبيتاً ويا فكرُ جدّد العهد سنيداً.