عند البوق الأخير

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تؤمن الكنائس الكتابيّة بالرّجاء المبارك، اختطاف الكنيسة. ينزل الربّ من السّماء تحيط به سحب المجد، جاذبًا إليه كلّ مؤمني العالم. يرافق هذا الحدث هتاف الأبواق السّماويّة.

استخدم الكتاب المقدّس الأبواق في مناسبات أربعة محدَّدَة، إعلان انتصار ودعوة لاجتماع وتحذير من خطر ودعوة الجيوش إلى الحرب. تتجمّع هذه العناصر في الاختطاف، يُعلَن انتصار الكنيسة، يتجمّع المؤمنون في محضر الرّبّ، ينطلق التّحذير باقتراب الدّينونة، وتُستدعى جيوش الملائكة للمعركة الأخيرة القادمة.

كانت القوّات المسلّحة الرّومانيّة تتحرّك على صوت الأبواق. يضربون فيها ثلاث مرّات قبل تحرّك الجيوش. يستعدّ الجنود عند البوق الأوّل فيتركون خيمهم. يصطفّون بانتظام لدى البوق الثاني. ويُباشرون المسير عند البوق الثّالث. يصرّح بولس، "عند البوق الأخير، الثالث، نتغيّر في لحظة في طرفة عين"، ويبدأ تحرّك المؤمنين الأموات والأحياء صعودًا إلى المجد. عندما تُنفخ الأبواق، كلّ المخلّصين بالنّعمة يُغادرون الأرض.

الموتى في الربّ يقومون

عودة المسيح أكيدة تمامًا كوجود السماء الزرقاء فوق رؤوسنا. سيأتي ليتمّم وعوده ومقاصده من نحو الكنيسة؛ فداها لتبقى معه إلى الأبد. "بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السّماء، والراقدون بيسوع سيحضرهم الله معه". أجساد المؤمنين الأموات راقدة، وأرواحهم يقظة في مكان خالٍ من الهمّ والألم والعذاب. ينام الجسد لحظة الوفاة وتنتقل الرّوح إلى محضر الرّبّ بجسد روحانيّ، أمّا الممجَّد فتلبسه بعد قيامة الأجساد. حين ظهر موسى وإيليّا في جبل التجلّي كانت أجسادهم مرئيّةً ومعروفة.

تتبدّل حال المؤمنين الموتى من لعنة الأرض وانحلال القبر إلى الكمال، فيُقامون "عديمي فساد" لحظة الاختطاف. عندما يأتي الرّبّ يُعيد كلّ روح إلى جسده الممجّد. لا يمكن لعقولنا المحدودة والمائتة سبر أغوار هذا الحدث فهو "سرّ عظيم". صرخ يسوع مرّتين في أثناء حياته على الأرض، وفي كلّ مرّة كانت تقوم أجساد الراقدين في القبور. صرخ بصوتٍ عظيمٍ في بيت عنيا فخرج لعازر من القبر، وعلى الصّليب فتفتّحت القبور وقام كثيرٌ من أجساد القدّيسين الرّاقدين. هكذا سيصرخ عند رجوعه، "بهتاف ينزل من السّماء والأموات في المسيح سيقومون أوّلًا". ثمّة قوّة فائقة في كلام الربّ وفي هتافه.

 

الأحياء المؤمنون يُخطفون

تغادر الكنيسة الأرض عند البوق الأخير "في لحظة في طرفة عين"، أي في جزءٍ لا ينقسم من الوقت، وفي فترةٍ قصيرةٍ كغمضة العين. الجميع يُخطَفون بقوّة ولن يعود لهم وجود على الأرض. حدث سريع ومفاجئ بدون إنذار أو تحذير مسبق. لن تعلنه أجهزة التّلفزة والرّاديو والصّحف ووسائل التّواصل الاجتماعيّ ومنابر الوعظ. يحدث الاختطاف فجأة! قال يسوع، "كونوا أنتم أيضا مستعدّين لأنّكم في ساعة لا تظنّون يأتي ابن الإنسان". لا ينخدع المؤمن بمظاهر العالم، وتخمين العلماء، وتنبّؤات المنجّمين، وعدم اكتراث المتديّنين، واستهزاء الملحدين والمشكّكين. يعلم يقينًا أنّ الحدث المجيد قد يتمّ "اليوم"، فيسمع مع الجمع الغفير صوت هتاف البوق ويغادر الأرض. كلّ من وُلد من فوق سيصعد. تعمّ الأرض ساعتئذٍ الفوضى واضطّرابًا شديدًا وحالة هستيريّة. يُفقَد أطفالٌ وأزواجٌ وأصدقاء، يختفي سائقو طيّارات وسيّارات وشخصيّات في مقابلات تلفزيونيّة. لا يتوقّع العالم شيئًا كهذا أمّا الكنيسة الحيّة فتنتظره وستختبر روعته.

 

لن يخطف الرّبّ جماعة النّخبة. تصعد الكنيسة بالكامل ولن يتأذّى مؤمن بالمسيح ولن يجتاز الضّيقة العظيمة. كلّ من ولد من الله سيلتقي المسيح. ينطلق حتّى غير المستحقّ بسبب عدم أمانته أو برودته الروحيّة. يغادر الأرض كلّ المؤمنين من مختلف الأعمار عند البوق الأخير. ليس في ملكوت الربّ مواطنون درجة ثانية. المخلَّص مخلَّص والهالك وهالك! كلّ المخلّصين سيذهبون وكلّ الهالكين سيبقون.

 

تغيير ولقاء

يُعاد تشكيل أجساد القدّيسين جذريًّا وكلّيًا في لحظة الاختطاف. تتحوّل من مائتة إلى خالدة. لا تمرض ولا تضعف أوتفنى وتفسد وتتحلّل، ولا تتقيّد بالزّمان والمكان. تصبح كجسد الرّبّ المقام، مشرقة متلألئة تعكس شعاع شمس البرّ. تتغيّر نوعيًّا وأبديًّا لحظة وصول المؤمنين إلى السّماء. تستمرّ كاملة طوال الأبديّة.  

 

يلتقي جمع المؤمنين من كلّ زمان ومكان على سحب المجد. يجتمع الرّجل بزوجته وابنه وأهله وأجداده وأهل الإيمان. يلتقي من علّمه في مدرسة الأحد وفي الشّبيبة، ومن قاده الى المسيح، ومن تجدّد على يده. سيكون اللّقاء مع الأحبّاء في محضر الرّبّ فاديهم. يا له من امتياز وتعزية ونعمة! سيتطلّعون في وجه من مات لأجلهم وقام، ويجثون أمامه في حبّ وعبادة. أروع لحظات التّاريخ والكون وأكثرها بهاءً وإثارةً حين تنحني الكنيسة أمام عريسها مردّدة ترنيمة جديدة قائلة، "مستحقّ أنت أيّها الخروف المذبوح أن تأخذ المجد والقوّة والكرامة والسّلطان إلى أبد الآبدين. لأنّك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك من كلّ قبيلة ولسان وشعب وأمّة. وجعلتنا لألهنا ملوكًا وكهنة فسنملك على الأرض".

 

ستتحقّق كلّ هذه الأحداث "عند البوق الأخير". سيرجع المسيح من أجل خاطر كنيسته. وهو الآن يقرع باب قلوب النّاس يدعوهم ليتوبوا إليه. ثمّة خطر كبير في التّأجيل أو الرّفض. قد يأتي يسوع في أيّ وقت ويجب الاستعداد. الآن هناك وقت ومكان. عندما ينفخ الملاك في البوق الأخير لن يكون هناك وقت ولن يكون مكان. طوبى لمن يكون ساهرًا ومستعدًّا لاجتماع القدّيسين مع الربّ في الهواء. ماران آثا!