قضيّة مَن تحمل ولِمَن تنتمي؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

أعلنَ يشوع، بجرأةٍ استثنائيّةٍ، انتماءه وعائلتَه إلى الرّبّ، بعدما تحوّلَ الشّعب من عبادة الله إلى الآلهة الوثنيّة فقال: "أمّا أنا وبيتي فنعبدُ الرَّبَّ" (يش 24: 15). يحدّدُ انتماء الأفراد وثقافتهم وولائِهم هويّةَ المجتمعِ حيث يعيشون. يُصاب بعضُ النّاسِ باضطرابِ الهويّة الإجتماعيّة لضعفٍ ما في انتمائهم. هؤلاء لا يُدركون أهمّية هذه القضيّة ودورها في بناء شخصيّاتهم وتطوير إمكاناتهم الفكريّة والإجتماعيّة والرّوحيّة.

 

في المجال الرّوحي، على سبيل المثال، يتوهُ كثيرون في بحر العالم المضطّرب لأنهم لا يتبنّون هويّة حقيقيّة تحدّد مسيرة إيمانهم وتوضح ماهيّة انتمائهم. بعضهم يتبع الجماعة مبهورًا بادّعاءاتها وإنجازاتها ولا يمتلك قضيّة تعبّر عن ذاته وولائه وانتمائه الشّخصي. عبَدَ النّاسُ آلهةً غريبةً في أيّام النّبي إيليّا، تابعين الملكة إيزابيل وأنبياء البعل متحوّلين عن ثقافة الإيمان الّتي تربّوا عليها فحصدوا نتائج وخيمة. كذلك الأمر في زمن النّبي هوشع الّذي حذّر الشّعب بسبب جهله الرّوحي، "إنّ للرّب محاكمة مع سكّان الأرض، لأنّه لا أمانة ولا إحسان ولا معرفة الله في الأرض" (هو 4: 1).

 

إستثمار مضمون

يساعد اكتشاف الهويّة الروحيّة عند الفرد تحديد أهدافه السّامية ودوره في المجتمع ، ومدى تأثيره في حياة الآخرين. لا يدع التغيّرات الإجتماعيّة والتطوّر التّكنولوجيّ والاهتمامات الماديّة الّتي تلامس حياته، أن تصقل شخصيّته وتؤثّر في انتمائه الرّوحي، وبالتّالي في أمانه واستقراره. من يتأقلم مع أمور العالم ويستثمر حياته في شؤونه فقط، سرعان ما يدرك أنّها ليست مضمونةً وليست على مستوى آماله. إنَّ الإستثمار الوحيد المضمون هو في الشّؤون الرّوحيّة. يعرف رجال الأعمال موازين الرّبح والخسارة في حياتهم العمليّة. ينبغي على المؤمن أن يطبّق هذا في مسيره مع الرّب متأكّدًا من زوال الأنظمة الماليّة والإقتصاديّة الحديثة وعدم استقرار الأسواق العالميّة. فلا يضع ثقته فيها ولا آماله عليها. محبّة المال تُضِلّ المرء عن الإيمان، "أمّا التّقوى مع القناعة فهي تجارة عظيمَةٌ، لأنّنا لم ندخل العالم بشيء، وواضح أنّنا لا نقدر أن نخرج منه بشيء" (1تي 6: 7 و8).

 

ثمّة مقياسٌ هامٌّ للاستثمار، هو حرّية الاختيار لدى الفرد، وتحمّل مسؤوليّة قراراته. ينجح الإختيار ويثمر أبديًّا إذا كان صائبًا بحسب المعايير الكتابيّة. وبالمقابل تكون عواقبه وخيمة إذا كان مجرّد خيار أرضيّ ووقتيّ زائلٍ. نصيحة الرّب الدّائمة للإنسان هي أن يختار الحياة ليحيا ويتباركَ، ويبتعدَ عن مسالك الموت والّلعنة والهلاك. يضمن خيار الحياة رضى الله، وراحة البال وسلام القلب ونجاح الخدمة، والثمر لمجد الله وخير الآخر. هذا هو الاستثمار الحقيقيّ المضمون. أمّا كنوز العالم مهما كثرت وغلت فلا أمان فيها ولا ضمان لها.     

      

قضيّةٌ عُظمى

تجتاحُ مجتمعاتِنا المعاصرةَ فلسفةُ الحريّة الشخصيّة في التّعبير وفي تحديد أُطر الإستثمارات المضمونة. ثمّة مَن يُطالب بالعدالة الإجتماعيّة والتّمتُّع بحقوق الإنسان كافّةً كسبيل لمستقبلٍ آمن. يناشد بعضٌ آخرُ الحريّة الثقافيّة لدورها الرّياديّ في بنيانِ فكر المجتمعات وتطويره. يظنّ آخرون أنّ تحقيق المساواة في الحصول على مصادر الثّروات المتنوعة يقود إلى الإستقرار والأمان. تستطيع حكومات الدّول، بالاشتراك مع المنظّمات المدنيّة وهيئات التّشريع والرّقابة، تأمين هذه المطالب المحقّة والإستقرار الإجتماعي والثّقافي. لكنّها تفتقرُ لوجود سياساتٍ واضحةٍ ومصادر تمويلٍ كافية لإنجازها. ممّا يتسبّب في ثورات إجتماعيّة تطالب بتحقيق العدالة والمساواة.

 

تفشل المجتمعات المتعدّدة في تأمين العدالة والمساواة. لكنّها تبقى تتفاعل في ضمير الإنسان ووجدانه بمختلف أعراقه وانتماءاته. فيُحمَلُ لواؤها إلى المنابر علّه يحقّق أهدافه ومبتغاه. إنّ القضايا الإنسانيّة المحقّة نبيلةٌ وتستحقّ صوتًا عاليًا يذيع رسالتها. ومع ذلك، ثمّة قضيّةٌ أسمى ورسالةٌ أعظم هي رسالة الصّليب الّتي ائتمن الله المسيحيّين عليها. تجسّد المسيح، وعاش في أرضنا، وجال بين النّاس يصنع خيرًا، ثمّ توجّه نحو تلّة الجلجثة ليحمل خطايا البشريّة وعقابها على الصّليب، ويبذل نفسه فداءً لخلاصهم. من ينتمي إلى المسيح سيخبر "بفضائل الّذي دعاه من الظّلمة إلى نوره العجيب". نشر رجال الله الأمناء لواء الإيمان معتبرينه هويّةَ انتمائهم وقضيّتهم الأساسيّة في الحياة. يحتاج عالم اليوم إلى مسيحيّين يحملون مشعل الإيمان بجرأةٍ وتصيمٍ ويقولون مع الرّسول بولس: "ويلٌ لي إنْ كنت لا أبشّر". يرفع رجال الكنيسة شعاراتٍ كثيرةً وساميةً لكن الحاجة تبقى لنشر ثقافة الإيمان والدّفاع عن الإنجيل. تراءى الله للنّبي إشعياء في قداسته المهيبة وهو "جالس على كرسيّ عالٍ وأذياله تملأ الهيكل". ثم سأله، "من أُرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟" فأجاب النّبي، "ها أنذا أرسلني!".

 

إنتماء أفضل

طلبت ذات يوم مشورةً مهنيّةً من خادمٍ أمينٍ للإنجيل. أجابني، "إنّي أحمل قضيّتك أينما ذهبتُ". تأثّرت بمحبّته ونُبله، إذ يضع قضايا النّاس في وجدانه وقلب رسالته المسيحيّة، رافعًا حاجاتهم أمام الله والنّاس. فسألت نفسي، "وأنا قضّية مَنْ أحمل؟ قضيّتي ستكون انتمائي!" حدّد الرّسول بولس قضيّته حين قال: "إذًا نسعى كسفراء عن المسيح، كأنّ الله يعظُ بنا. نطلب عن المسيح، تصالحوا مع الله" (2كو 5: 20). إنّها، والحقّ يُقال، أسمى قضيّةٍ وأعظم رسالةٍ وأفضل إنتماء.

 

يجدّ كلّ إنسان ليحقّق أهدافًا نبيلةً يؤمن بها ويعتبرها استثماره المضمون ورسالته الكبرى في الحياة. متى يعقل المسيحيّون فيحملون قضيّة المسيح ويرفعون لواء الإيمان في مجتمعٍ فاسدٍ وهالكٍ وبعيد عن ثقافة الكتاب المقدّس وتعاليمه السّامية؟ يجب أن يدرك كلّ مؤمن أنّ كلمة الله تُحاكي حاجات النّاس من حوله وتقدّم العلاج النّاجع لمسائلهم الشّائكة والمعاصرة. وعليه أن يثق أيضًا، أنّ رسالة الإنجيل هي الإستثمار المضمون والسّراج المضيء في ظلمة هذا العالم الحالكة. من ينتمي إلى المسيح يحمل قضيّته وينجح في إرساليّته ويحقّق أهدافه.

AddToAny