كالفن المصلح والدّستوري

العدد:
السنة:

كان كالفن قائدًا لجنيف لمدّة ثلاثة وعشرين عامًا. عمل خلال تلك الفترة على زرع بذور الدّيمقراطيّة المعاصرة وبناء الأطر المنطقيّة لتفسير عقيدة الإصلاح. نشر كالفن، قبل وصوله إلى جنيف في تمّوز عام ألف وخمسماية و ستّة وثلاثين لقضاء ليلة واحدة، النّسخة الأولى من كتابه المشهور "أسس الدّيانة المسيحيّة". كان مثقّفًا، وحائزًا على إجازة في المحاماة، ومتدرّبًا في العمل الكهنوتيّ، ومؤهّلًا ليكتب في القانون الأخلاقيّ.

 

قي تلك الآونة كان الواعظ الكبير في جنيف، وليام فاريل، متشوّقًا لتحسين الحالة الأخلاقيّة في مدينته. فرأى في كالفن شخصًا مميّزًا ومؤهّلًا ليساعده في عمله. حاول كالفن التنصّل من الموضوع لكنّ فاريل، بعد عدّة محاولات لإقناعه، صرّح محذّرًا بأنّ الأمر من الرّبّ. فما لبث أن استسلم وبدأت الشّراكة بين الرّجلين لصالح شعب جنيف.

 

كانت جنيف في ذلك الوقت مدينة المجون والّلهو. تمكّن الرّجلان في غضون سنة واحدة من القضاء على الفجور فيها. يرجع الفضل لمواعظ كالفن عن الخلاص بالنّعمة في يسوع المسيح وحده، وعن ضرورة الولادة الجديدة. أدّى هذا الأمر إلى طردهما رسميًّا من المدينة. علّق كالفن على هذا القرار بالقول: "لو كنت أسعى لإسعاد العالم لاستحقَقْتُ عقابًا شديدًا؛ لكنّني أخدم سيّدًا علويًّا سيُجازيني خير مجازاة".

 

شهدت جنيف بعد خروجهما تقهقرًا أخلاقيًّا وسياسيًّا. أمّا كالفن فأصبح أستاذ الّلاهوت في جامعة ستراسبورغ. بعد ذلك ندم سكان جنيف وطلبوا منه الرّجوع إليهم. تردّد في أخذ القرار عالماً أنّه سيواجه معارضةً حادّة. لكنّ ضميره الحي قاده للعودة. وهناك اقترح قانونًا جديدًا. صرّح المؤرّخ ريتشارد تايلور معتبرًا "الكاثوليكيّة ديانة الكهنة، والّلوثريّة ديانة الّلاهوتيّين، أمّا الكالفينيّة فهي ديانة جماعة المؤمنين".

 

نقل الكالفينيّون أفكار كالفن إلى اسكوتلاندا والولايات المتّحدة فلاقت الإستحسان الأوسع هناك. أصبح النّموذج الدّستوري الّذي أنشأه نموذجاً للحكومات الوطنيّة. بات ملايين النّاس حول العالم، من مسيحيّين وغير مسيحيّين، يشعرون بتأثير لاهوت هذا المصلح الكبير حتّى حيث لم يكن اسمه معروفاً.

AddToAny