كفّارة المسيح، كيف نفهمها؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تعني الكلمة اليونانيّة المترجمة "كفّارة" الاستبدال، أو تعديل اختلاف معيّن، أو استعادة شيء ما لصالح شخص آخر بغية تحقيق التّوافق. وتعني أيضًا التّعويض أو إصلاح الخطأ. إذًا كفارة المسيح هي التّعويض عن خطايا العالم بموته على الصّليب. كان الصّليب الهدف الأساسي لمجيء المسيح، "فستلد إبنًا وتدعو اسمه يسوع لأنّه يخلّص شعبه من خطاياهم". أمّا الكفّارة فتخبرنا كيف نخلص، "ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد". نحن لا نخلص بأعمالنا بل بما قدّمه الإله لنا في ابنه. يتأكّد هذا الخلاص بالإيمان به. قال أحدهم، "يمكنك أن تخطئ في أيّ شيء، لكن يجب أن تكون على صواب في فهم الكفّارة".

 

إصطلاحات مرادفة

ثمّة كلمات ثلاث في اليونانيّة تساعدنا في فهم الكفّارة، الفداء، والمصالحة، والخلاص. تعني كلمة "الفداء" إطلاق أسير بدفع فدية (أف 1: 7)، أو إعادة شراء بفدية (لوقا 24: 21). فعندما نقول إنّ المسيح افتدانا بسفك دمه نقصد أنّ الله أعاد شراءنا. تصف "المصالحة"، توافق زوجين بعد خصومة، أو إعادة الصّداقة بين متعاركين. استخدم الرّسول بولس هذه الكلمة في (رو 5: 10 و11). يحمل المرادف الثّالث للكفّارة، "الخلاص" معنى أن ينجّي ويجعل سليمًا. كأن ننشل إنسانًا من حالة حرجة إلى وضٍع سليم، وننقذه من خطرٍ مباشر. يعلّمنا العهد الجديد أنّ المسيح خلّصنا من خطايانا (مت 1: 21)، ومن غضب الله (رو 5: 9).

 

صنع طفلٌ قاربًا صغيرًا ووضعه في البحيرة القريبة من منزله. في أحد الأيّام، هبّت ريحٌ شديدةٌ وجرفت القارب بعيدًا. حزن الولد كثيرًا. وبينما كان يتمشّى في السّوق رأى قاربه في واجهة محلّ تجاريّ. أسرع إلى صاحب المتجر وأخبره أنّه الّذي صنع القارب ويريد استرجاعه. أجابه الحانوتي، يجب أن تشتريه. فدفع ثمنه واشتراه وعاد فرحًا وهو يقول: "أنت اليوم ملكي لسببين، أوّلًا لأنّي صنعتك وثانيًا لأنّي اشتريتك. خلقنا الله لذاته ومجده. لكن خطايانا أقصتنا عن محضره القدّوس. فجاء يسوع المسيح لكي يطلب ما قد هلك ويخلّصه. ودفع على الصّليب ثمن خطايانا لكي يشترينا لله، ويصالحنا معه. 

 

الكفّارة في الكتاب المقدّس

نقرأ في سفر التكوين أنّ أبوينا الأوّلين، آدم وحوّاء، اختبآ من وجه الرّبّ بعد العصيان واكتشاف عريهما. فكساهما بغطاء من جلد حيوان إشارة إلى الذّبيحة الّتي قُدِّمت لذلك. ونرى في وقتٍ لاحقٍ أنّ هابيل وقايين قدّما ذبائح للرّبّ. قدّم قايين من نتاج زرعه أمّا هابيل فقدّم من أبكار غنمه وأسمنها، وقبل الرّبّ تقدمة هابيل الدّمويّة.

 

طلب الربّ من إبراهيم تقديم ابنه اسحق ذبيحة ثمّ استبدله بالكبش حين رأى طاعة إيمانه. وأوصى موسى عند خروج الشّعب من مصر أن يصنع مذبحًا من حجارة لكي يقدّم عليه محرقات وذبائح السّلامة. إذاً الكفّارة في العهد القديم كانت الغطاء الّذي يخفي خطايا الشّعب من غضب الله. وكان الغطاء دم الذّبيحة. لقد قدّم الشّعب ذبائح حيوانيّة للتّكفير عن خطاياهم (لا 1: 4). نجد في العهد الجديد ذبيحةً من نوع آخر، ذبيحة المسيح الّذي قدّم نفسه مرّةً واحدةً فديةً عن جميع البشريّة ليشترينا من غضب الله المعلن على جميع فجور النّاس وأثمهم.

 

الكفّارة في تاريخ الكنسية

شرح لاهوتيّون كثر موضوع الكفّارة عبر العصور المسيحيّة. هناك مثلًا نظريّة "الفدية" لأوريجانوس (١٨٥ – ٢٥٤ م). اعتبر أوريجانس كفّارة المسيح عبارة عن دفع فدية للشّيطان. فبعد السّقوط صار له حقوقٌ على البشر بسبب خطاياهم. عندئذٍ، بادر الله الآب إلى عقد صفقة مع الشّيطان، فمات المسيح، الله الإبن، ليدفع ثمن الخطاة. يعتمد الّذين يتبنّون هذه النظريّة على تفسير خاطئ لما ذكر في لاويين 16: 8-10.

 

تحدّث اللّاهوتي إبيلارد (1079 – 1142 م) عن نظريّة "التّأثير الأخلاقيّ". بحسب هذا اللّاهوتي كان لموت المسيح تأثيرٌ عميقٌ على البشر. فكلّ من يتأمّل بعمق في عمل المسيح على الصّليب ومحبته سيندهش. وستقوده هذه المحبّة إلى التّوبة ومحبّة المسيح.  وبالتّالي يتغيّر مصيره وسلوكه بسبب محبّة المسيح له.

 

أمّا اللّاهوتي أنسلم (1033 – 1109 م) فكان له رأي آخر يُعرف بِ "وفاء الإلتزام العقابيّ". يكمن هذا الرّأي بتعريف الخطيّة كإساءة غير محدودة إلى الله، وبالتّالي تتطلّب تعويضًا غير محدود. لا يستطيع أيّ إنسان بطبيعة الحال أن يقدّم مثل هذا التّعويض لأنّه محدود. لذا لا بدّ لشخص غير محدود كالله نفسه أن يقدّمه. فدى الله البشريّة عبر إرسال ابنه، الأقنوم الثّاني، آخذًا جسد بشريّتنا حتّى يتمّم عدالة الله. هكذا قدّم يسوع تعويضاً للعدالة الإلهيّة. إذاً موت المسيح ليس فدية للشّيطان بل إيفاء دين لله الآب.

 

الكفّارة وصليب المسيح

كان رئيس الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس مرّة واحدة في السّنة، في يوم الكفّارة، ليقدّم أوّلًا ذبيحةً عن خطاياه، ومن ثمّ عن خطايا الشّعب. ويرشّ الكاهن الدّم على غطاء تابوت العهد داخل الأقداس وراء حجاب خيمة الاجتماع. أمّا المسيح فأكمل نظام الذّبائح القديم مقدِّمًا نفسه من أجلنا، مرّة واحدة وإلى الأبد. سفك دمه علناً على الصّليب عن الجميع. فانشقّ حجاب الهيكل وبطل معه النّظام الكهنوتيّ القديم. فصار المسيح رئيس كهنتنا وشفيع المؤمنين الّذين يتقدّمون به إلى الله.

AddToAny