كيف نتجنّب الشّهوات؟

العدد:
السنة:

الحفاظ على الأولويّات الرّوحيّة

يجب أن يتّعظ المؤمنون من سلوك بني إسرائيل في برّيّة سيناء. قال الرّسول بولس :"إنّ التّجارب التي سقطوا فيها أثناء ترحالهم كانت مثالاً لنا حتّى لا نكون نحن مشتهين شرورًا كما اشتهى أولئك" (1 كو 10 :6). وجدوا المنّ الّذي من الله كريهًا فتحدّثوا عنه بازدراء. وبدأوا يشتهون أشياء بريئة ظاهريًّا كالسّمك والخيار والبطّيخ والكرّاث والبصل والثّوم. غضِب الله ليس بسبب تلك الأطعمة فهي غير نجسة، بل لأنّهم رغبوا بها أكثر من المنّ الإلهي، وتمنّوا بها العودة إلى مصر. لم يشعروا بالإمتنان، بل غمرهم الاستياء واشتاقوا إلى الامتيازات المادّيّة.

 

إنّ ما يشتهيه المؤمن، ويتمنّاه أكثر من بركات الله الرّوحيّة، هو شرّ. حين يفقد حسّ التّقدير لهبات الله معتبرًا إيّاها أمورًا بديهيّة، يبدأ يحتاج إلى "بطّيخ" هذا العالم الفاني. يكمن الضّمان الأوّل للحماية من فيروس الشّهوة في إظهار روح الشّكر والإمتلاء بالعرفان بالجميل والامتنان لله. يحتاج المؤمنون أن يتذكّروا بإستمرار مراحم الرّب وخيراته الّتي لا يستحقّونها، وأن يتغنّوا بها بوعي قلبي صادق. يجب أن يبتهجوا بإمتيازاتهم العظيمة ويقدّروها ويتّخذوا الخطوات الّلازمة ليتذكّروها في وقت التّجارب وخيبات الأمل والإكتئاب.

 

السّلوك بالروح

السّلوك بالرّوح هو علاج آخر للشّهوة. "اسلكوا بالرّوح فلا تكمّلوا شهوة الجسد" (غل 5: 16). بهذا السّلوك يتلقّى المؤمن المساعدة اللّازمة للحدّ من رغبات قلبه اللّاهثة وراء الأمور الدّنيويّة والأنانيّة. عندما يصلّي بانتظام طلبًا للمساعدة، ويتجاوب مع عمل الرّوح القدس حين يوخز ضميره، تنحسر رغبته القويّة بالتقدّم نحو العالم للحصول على بضعة امتيازات فانية. إذا تراجع المؤمن عن شراء شيء باهظ الثّمن أو عن سعيٍ طموح، يسجّل انتصارًا. لكنّه إذا تجاهل خدمة الرّوح المنعمة يقع في خطيّة الشّهوة.

 

يستلزم السّلوك بالرّوح وضع الخدمة الروحيّة أوّلاً في الحياة. يسهّل عدم التّضحية والإلتزام في خدمة الرّب إنزلاق الطّاقة العاطفيّة في ممرّات التطلّعات والإحتياجات الشخصيّة. هكذا يصير المؤمن فريسةً سهلةً للرّغبة الجيّاشة. يواجه من يكرّس حياته تمامًا لبيته أو مهنته صعوبة في محاربة شهوات الجسد، لأنّه لا يسلك حقًّا بالرّوح. إنّه يهتمّ بعمل الرّب وملكوته أقلّ جدًّا ممّا يهتمّ بشؤونه الخاصّة، وبالتّالي يكون دائمًا تحت رحمة قلبه السّاقط.

 

إماتة الرّغبات الشّهوانيّة

أعظم سلاح ضدّ الشّهوة هو مقاومتها بنشاط. لا يمكن التّغاضي عن إماتة الشّهوة وقتل إغراءاتها الخفيّة. يُعرّف بولس المؤمنين بأناس "صلبوا الجسد مع الأهواء والشّهوات". تشير كلمة "الشّهوات" إلى التعلّق بشغف وشوق بالأشياء الدّنيويّة وبالأفكار غير الأخلاقيّة. ثمّ يطلب منهم أن "يخلعوا الإنسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور". الطّبيعة القديمة في الإنسان ترغب في السّيطرة عليه وجرّه صوب الشّهوات العالميّة. إنّها طبيعة ماكرة وغدّارة يحرّضها الشّيطان ليضرِم باستمرار حبّه لأمور العالم الباطلة على شكل حرب ضروس مستعرة. ينعم المؤمن بين فينة وأخرى بالرّضا مُحاطًا ببركات الرّبّ وامتيازاته الرّوحيّة. ليُفاجأ فيما بعد بهجوم كبير من تجارب الجسد، والشّفقة على الذّات. لذا يجب أن يدرك ضعفه، ويستعدّ دائمًا لحفظ نفسه من الرّغبة في شراء ما ليس ضروريًّا، واقتناء ممتلكات زائدة، وطلب جودة إضافيّة لا لزوم لها.

 

ينصح الرّسول بولس تيموثاوس الهرب من الشّهوات الشّبابيّة. ويقصد بذلك الإبتعاد عن الإغراءات الجنسيّة، والإمتناع أيضًا عن الطّمع الجارف والطّموح الجامح والتملّك النّابع من شهيّة بشريّة تبغي المنفعة الذّاتيّة وغرور النّفس وإشباع الإنانيّة.

 

السّيطرة على الفكر

من يريد مقاومة شهواته عليه التحكّم بأفكاره. ومن يُطلق العنان لأحلامه تُثار رغباته بلا وازعٍ ولا رادع. يوصي الكتاب القدّس المؤمنين قائلاً، "لا تملكنّ الخطيّة في جسدكم المائت لكي تطيعوها في شهواته (أي أشواقه ورغباته)" (رو 6: 12). لذلك، عندما تراودنا أفكار سلبيّة وأنانيّة يجب ألّا نتخلّى عن دفاعاتنا ونسمح لها أن تنمو وتسيطر علينا. توجيه الله لنا هو التّالي، كُفّ عن التّخطيط، وتوقّف عن الأحلام، وصوِّب خيالك على أشياء أفضل، وميّز حِيل الشّيطان ولا تجهل أفكاره. إذا اجتاحتك الإغراءات بقوّة وألحّت عليك أن تكون، أو تشتري، أو تمتلك، ليكن هناك نشاط قريب أو كتاب يستحوذ على انتباهك، حتى تنتصر في المعركة وتتخلّص من كلّ إلحاح غير مرغوب فيه.

 

إنّ الطّريقة الكتابيّة للتّعامل مع الشّهوة هو بشنّ معركة كبيرة ضدّها. ينبغي على المؤمن ألّا يستسلم أبدًا لرغبته في أشياء لا يحتاج إليها حقًّا، أو تتجاوز السّعر المناسب والجودة المعقولة. وعليه أن يتجنّب بإستمرار ما يُثير شهوة أفكاره، مثل التأمّل بمنازل الآخرين الفخمة أو الكتالوجات المليئة بالأدوات المرغوب بها. ويجب أن يصلّي دائمًا طلبًا للمساعدة، وسوف ينالها حتمًا.  

 

يشرح الرّسول بولس الوصيّة "لا تَشْتَهِ" في رسالته إلى كنيسة رومية فيقول، "البسوا الرّبّ يسوع المسيح ولا تصنعوا تدبيرًا للجسد لأجل الشّهوات". يمكن إعادة صياغة هذه الآية على النّحو التّالي، "لا تفكّروا مسبقًا، وتضعوا مخطّطات حول أمور لا ترضي سوى شغفكم ورغباتكم، وتُشْبِعُ تلك الشهوات". إنّ عالم أحلام اليقظة هو بالحقيقة مهدُ خطايا الشّهوة.

 

مكافآت التّعقّل

من النّاحية الإيجابيّة، ثمّة مكافآت كبيرة للمؤمنين الّذين يحاربون شهوات الجسد. تعتمد وعود الله لأولاده بالسّعادة الرّاهنة، على مواقفهم الواضحة من الشّهوة. هذا ما تعلّمه كلمة الرّب، "كما أنّ قدرته الإلهيّة قد وهبت لنا كلّ ما هو للحياة والتّقوى، بمعرفة الّذي دعانا بالمجد والفضيلة، اللّذين بهما قد وهب لنا المواعيد العظمى والثّمينة لكي تصيروا بها شركاء الطّبيعة الإلهيّة، هاربين من الفساد الّذي في العالم بالشّهوة" (2بط 1: 3 و4). إنّ الهرب من فساد العالم يرضي الله، ويقود إلى التلذّذ به وبوعوده وبمعرفته، وينير الذّهن، ويمتّن الحسّ بالإنتماء له، ويساعد على النموّ في النّعمة وفي الخدمة وفي الكرازة بالإنجيل.

 

مأساة حقيقيّة أن يقيم المؤمن عهدًا مع أمور هذا العالم، فينغمس في الرّغبات وينال كلّ ما يريده. وحين يطمح إلى تحقيق ذاته أكثر من مجد الله، في أيّ شيء يفعله روحيًّا وزمنيًّا، يكون قدوة سيّئة أمام الآخرين. وكم سينعم بالبركة إذا صارع ضدّ شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظّم المعيشة، وطلب إلى الرّوح القدس أن يمدّه بعون من الأعالي.

AddToAny