كيف نخاطب الله؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

غالبًا ما نجد صعوبةً في الصّلاة لأنّ قلوبنا باردة وبلا شعور. كيف نحصل على المساعدة لنأتي إلى محضر الله بعمق الرّغبة ودفء القلب اللَّذين نتوق إليهما؟ "أبانا"، في بداية الصّلاة الربّانيّة، هي أفضل جواب. من الصّواب، طبعًا، أن نعتبر الله كائنًا قديرًا وملكًا. لكنَّه أيضًا أبٌ للمؤمنين، وقد كشف عن أبوَّته المدهشة، وعاطفته تجاه شعبه وعنايته بهم.

 

إمكانيَّة الاقتراب إلى الآب        

أوَّلاً، يشير لفظ "أبانا" إلى التّشابه وإمكانيَّة الاقتراب. نقول هذا بحذر وتوقير، لأنَّه قدُّوس وغير محدود في كلّ صفاته، أمّا نحن فواضح أنَّنا لسنا كذلك. ربَّما ليس هناك تشابه كبير، ولكن هناك تشابه هامّ، وهذا يساعدنا على الاقتراب منه. لا نفكِّر في آبائنا الأرضيِّين ككائناتٍ غريبةٍ من كوكبٍ آخر، وذلك لأنَّنا نشبههم؛ ومرتبطون بهم. هذا هو الحال مع الآب العظيم.

 

لطف الآب الأبويّ       

ثانيًا، توضح كلمة "أبانا" اللّطف الأبويّ الّذي نتوقّعه. عندما يلاطفك أبوك الأرضي، أو يعطيك شيئًا، سواء كنت طفلاً أو يافعًا، لا تقول، "يا له من أمر مدهش، فعلى الرّغم من كوني نكرة، يُظهِر اللّطف من نحوي". أنت لا تستغرب كيف يوفّر والدك سقفًا فوق رأسك وطعامًا على مائدتك. إنّما تتوقّع رعايته الأبويَّة وعطفه.    

 

حقُّ الأب في ثقتنا        

ثالثًا، يكشف تعبير "أبانا" عن إيماننا بينما نصلِّي. يحترم الأطفال الصّغار أباءهم دائمًا. يبجِّلونهم، ولا يشكُّون، بوجهٍ عامّ، في قدرتهم على فعل ما يتعهّدون به مهما كان. إذا كان الأب يقلُّ العائلة في إجازة، لا يجلس ابنه في المقعد الخلفيّ بالسيّارة مفكّرًا، "هل يمكن أن يقوم والدي بهذا؟ لم أكن أعرف أنّه يقدر أن يقود سيّارة".

 

معرفة الأب بأبنائه        

رابعًا، لفظ "أبانا" يقدِّم تعريفًا لهويَّة من يعرف كلّ شيء عنّا؛ وبالتّالي فالمصارحة والتّوبة أمران ضروريّان لاقترابنا منه. يعرف الأب طبيعة أولاده. يقرأ شخصيّاتهم، ويلاحظ انحرافاتهم. يجب علينا، بينما نقول "أبانا"، أن ندرك تمامًا أنّ الآب السماويّ يعرف كلّ تفكيرنا ودوافعنا، ويستطيع عمل مسحٍ شامل، في لحظةٍ، لتاريخ حياتنا بأكملها.

 

معايير الأب     

خامسًا، لفظ "أبانا" يتطلّب الإلتزام بقواعده ومعاييره. يضرع المؤمنون في صلواتهم لأجل الكثير من المؤونة والبركات من دون التأكّد من أنّهم يمتَثِلون بنشاطٍ لقواعد الله وقوانينه. ربّما تحوّلوا عن طاعته في مسيرة تطوير شخصيّاتهم، وعن إرضائه بالقول والفعل. لا يمكن أن نتوقّع من أبٍ منح امتيازاتٍ ومزايا للأطفال الّذين يتحدُّونه ولا يسرُّونه.

 

أولاد أبينا الآخرون       

سادسًا، يشير لفظ "الأب" إلى مسؤوليّتنا تجاه أفراد العائلة الآخرين. فنحن لسنا الأطفال الوحيدين في هذه العائلة. ولكي تكون صلاتنا مقبولة لدى الله، يجب أن نقدّم أنفسنا كأفراد في عائلته، ونعترف بتواضعٍ بإخواننا المؤمنين، محافظين على الوئام الأخويّ، وخادمين الآب في إطار "فريق" العائلة.

         

عناية الأب وإرشاده      

سابعًا، عبارة "أبانا" هي تعريف طبيعيّ للربّ الّذي يقدّم الإرشاد والحماية لشعبه. يوجّه الأب المثاليّ ويشكّل حياة ابنه. يقود حياة ذرّيّته خلال الطّفولة والشّباب، ويعتني بهم ويعيلهم. لذا ينبغي، بينما نقترب من الله في الصّلاة، أن نحوذ تقديرًا لعنايته الإلهيَّة. وعندما نلفظ كلمة "أبانا" في الصّلاة، نكون نفكّر في سرّنا، "لأنّه أب مثاليّ، فإنّ كلّ شيء تحت سيطرته".

 

بيت أبينا هو بيتنا         

ثامنًا، يتكلَّم لفظ "الأب" عمَّن نتشارك معه "البيت" ومن لدينا إمكانيّة وصول له. قد ندخل المنزل في أيّ وقت ونتجوّل فيه كما لو كنّا نملك المكان؛ كما يفعل الأطفال. يشمل لفظ "الأب" امتياز الإنتماء. من الصعب جدًّا تعليم طفل صغير أن يحترم غرفًا معيَّنة في المنزل، فهو لا يعتبره منزل الوالدين فقط، بل منزله أيضًا. يعرف المؤمنون غريزيًّا أنّ بوسعهم أن يعيشوا أمام الله في بيته الروحيّ، كنيسته، كمَن ينتمون إلى هناك. هذا هو مكاننا.

 

أبوَّة الأب الدّائمة        

تاسعًا، يعلِّمنا لفظ "الأب" أكثر من أيِّ لفظ آخر في الكتاب المُقدَّس عن ضماننا الأبديّ. قد نتعثّر أو نفتُر، لكنّه سيستردّنا مجدّدًا ولو بعد حين، حتَّى وإن كان عن طريق معاقبتنا إذا لزم الأمر، لكنَّنا لن نُفقَد أبدًا. في نهاية المطاف، لا يمكن لك أن تكفَّ عن أن تكون ابنًا لأبيك. عندما يدعو الله نفسه أبًا للمؤمنين، فإنَّ هذه هي الأمَارة الأكثر واقعيّة للضّمان الأبديّ، وهي تخبرنا بأنّنا أبناؤه إلى الأبد.

AddToAny