لماذا نثق بالله؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

أثبتَتِ الأحداثُ العالميّةُ في السّنواتِ الأخيرةِ أنّ كلَّ المصادرِ الّتي اعتمدَ عليها الإنسانُ المعاصرُ، ووثِقَ بقدرتِها على طمأنتِه واستقرارِه، وهميّةٌ لا أساسَ متين لها. مصادرُنا للأمانِ جعلَتْنا أكثر توتّرًا وقلقًا وخوفًا وتيهانًا. فشلَتْ حضارتُنا لأنّها وضعَت أساساتِها على رمالٍ ضحلةٍ فتزعزعَ كلُّ البناءِ ولم يصمُدْ أمامَ الأمواجِ العاتيةِ والرّياحِ الصّاخبةِ.

 

أنظمتُنا الماليّةُ والمصرفيّةُ والسّياسيّةُ والحزبيّةُ والعسكريّةُ أفضَت بنا إلى الثّورةِ والعنصريّةِ والقتل. مؤسّساتُنا الدينيّةُ زادَتْنا تباعدًا وقساوةً وتعجرفًا وجفافًا روحيًّا. نظامُنا التّربويّ والتّعليميّ والعلميّ والتّقنيّ والرّفاهيّة أنتجَت إحباطًا وعدمَ استقرارٍ ومستقبلًا غيرَ آمنٍ ومصيرًا مجهولًا وقلقًا. تعلّمنا وما تثقّفنا، تدرّبنا وما تهذّبنا، تعاظمَتْ حضارتُنا وما كبرنا، كثُرَتْ كماليّاتُنا وما اكتفيْنا ولا ارتحْنا، امتلكْنا وتخاصمْنا. مصادرُنا لم تنشرْ ثقافةَ المحبّةِ والسّلامِ والبهجةِ بل ثقافةَ الحربِ والتسلّحِ والخوفِ. فتصدّعَتِ العائلةُ وانهارَ المجتمع.

 

مصدر للثقة

إلى أينَ نذهبُ من أجلِ المعونةِ إذا كانَت كلُّ جهودِنا باطلةً وفاشلةً؟ هلّا نلتفتُ إلى الله علّنا نقدرُ الوثوقَ به؟ قالَ بطرس ليسوع، "يا ربُّ إلى أينَ نذهبُ؟ كلامُ الحياةِ الأبديّةِ عندَك". يطالعُنا الكتابُ المقدّسُ من أوّلِه إلى آخرِه بأمرين يتعلّقان بالثّقةِ بالرّبّ وهما الإيمانُ به وطاعةُ كلمتِه. مَنْ يثق بالرّبّ عليه أن يؤمنَ بأنّه موجودٌ، ويجازي الّذين يطلبونَه ويطيعونَه، ويعاقبُ الّذين يبتعدون عنْه غيرَ واثقين بوجودِه وقدرتِه وخلاصِه ورحمتِه وإرادتِه الخيّرةِ من نحوِهم.

 

يعرفنا بأسمائنا 

نظامُ العالمِ يصنّفُ الأفرادَ، يمنحُهم أرقامًا وينادي بها عليهم. حضارتُنا لا يهمُّها اسمُك بل رقمُك ومستواك المعيشيّ والوظيفيّ. إنّها حضارةٌ ناشفةٌ وجافّةٌ؛ لا تُروي ولا تواسي ولا تهتمُّ بالإنسانِ ومشاعرِه وحاجاتِه. أمّا الرّبُّ فيعرفُك باسمِك ويناديك بِه. بكَت مريمُ المجدليّةُ متألمةً عندَ القبرِ، فنادها يسوع، "يا مريم". خجلَ بطرس من إنكارِه المعلّمَ، فناداه، "يا سمعان بن يونا، أتحبُّني". احتارَ يوسفُ فناداه ملاكُ الرّبّ، "يا يوسفُ ابنَ داود لا تخفْ أن تأخذَ مريم امرأتك". كان شاول الطرسوسيّ ينفثُ حقدًا وغضبًا مهدِّدًا كنيسةَ المسيح. فناداه، "شاول شاول لماذا تضطّهدني؟" فهدأ واستنار وسقطت قشورُ التّعصّب والكراهية من عينيه.

 

من أجلِ ذلك يمكنُك الوثوقُ بِه. إن كنْت مريضًا، خائفًا، فاشلًا، خاطئًا، ذليلًا، أو منبوذًا ولا أحدَ يعيرُك انتباهًا واهتمامًا، هو يحبّك ويعرفُك باسمِك وبظروفِك وبمعاناتِك، ويعتني بك.

 

يحارب حروبنا

أنظمةُ العالمِ، السّياسيّةُ والدينيّةُ والاقتصاديّةُ، تحاربُ بواسطتِك أو تحاربُك. تستثمرُ فيك ثمّ تركلُك. تحبُّك طالما تخدمُ مصالحَها وتتخلّى عنك حين يخفُّ إنتاجُك. لا تسألْ عن همومِك ومعاناتِك وتجاربِك واضطرابِك الصّحيّ والمعنويّ والنّفسيّ، ولا تلتفتْ إلى قيَمِك وأخلاقِك. أنت رقمٌ تغيّرُه لمنفعتِها حين تكتشفُ رقمًا آخرَ يزيدُها مالًا ونفوذًا. أنظمةُ العالمِ تثيرُ فيكَ الرّعبَ ولا يمكنُك أن ترضيَها. أنت تحاربُ لتعيشَ، وتجاهدُ لتستقرَّ، وتُفني لتبقى على قيدِ الحياة. تحارِبُ الخطيّةَ والمرضَ والتّجاربَ وليسَ من يحلُّ مشاكلَك ويسندُك ويتحنّنُ عليك.

 

أمّا اللهُ فيقاتلُ عنْكَ بصمْتٍ فترى خلاصَه في العلن. تسمعُ صوتَه في أرضِ معاركِك، "لا تخف"، فتنتعشُ روحُك ويبعثُ فيك حياةً ورجاءً. اضطّربَ التّلاميذُ في البحرِ الهائجِ معذّبين من الأمواجِ لأنّ الرّيحَ كانت مضادّةً. في الهزيعِ الرّابعِ من الليل مضى إليهِم يسوعُ ماشيًا على البحرِ، وكلّمَهم قائلًا، "تشجعوا، ثقوا، أنا هو. لا تخافوا"، فنجوا إلى البَرّ. وقالَ للمرأةِ النّازفةِ الدّمَ بعدَ حربٍ مع المرضِ دامَ اثنتي عشرةَ سنةً، "ثقي يا ابنتي إيمانُك قد شفاك. اذهبي بسلام". ينامُ المؤمنُ في اللّيل هانئًا ويقومُ جذلًا لأنّ الرّبَّ مسندٌ يدَه في اللّيل والنّهار.

 

يفتكر بنا.

"ما أكْرم أفكارك يا الله عندي! ما أكثرَ جُملتها" (مزمور 139: 17). بكلامٍ آخرَ، "ما أغلى أفكارَك عندي يا الله! من أين تأتي كلُّها؟ لو أحصيتُها لكانَت أكثرَ من حبّاتِ الرّمل، وكلّما ظننْتُ أنّني انتهيْتُ، تجدُني ما زلْتُ في البدايةِ". نظامُ العالمِ يفتكرُ كيفَ يستفيدُ منك، ويربحُ بواسطتِك، لا يفتكرُ بك لمصلحتِك بل لمصلحتِه. يطردُك من العملِ إذا أنتجْتَ أقلّ مما يتوقّعُه منك. أمّا الرّبّ فلا يتركُك ولا يهملُك، دائمًا عينُه عليك ويرعاك، ويعملُ على ارتقائِك ونجاحِك. لا تغيبُ عن عينِه ومن فكرِه ودائرةِ اهتمامِه، أنتَ شغلُه الشّاغلُ. تغيبُ هذه الحقائقُ عن ناظريك لكثافةِ الضّبابِ الملوّثِ دينيًّا واجتماعيًّا وبيئيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا.

 

أفكارُ الرّبّ وطرقُه لأولادِه عاليةٌ وساميةٌ؛ أفكارُ سلامٍ لا شرَّ للحاضرِ وللمستقبل. يخطّطُ الشّيطانُ لسقوطِنا وإذلالِنا أمّا الرّبّ فلرفعتِنا وإكرامِنا. يخطّطُ العالمُ ليحبطَنا ويربكَنا، أمّا الرّبّ فليباركَنا وينصرَنا. نظامُ العالمِ يعملُ لمرضِنا أمّا الرّبّ فلشفائِنا. يضمنُ الله مستقبلَنا ويجعلُه مشرقًا. سلامًا أتركُ لكم وأعطيكم، ليس كما يعطي العالمُ أعطيكم أنا. لا تضطّرب قلوبُكم ولا ترهبُ. ثقوا بي فأنا أعدُّ لكم خيراتٍ هنا وبركاتٍ إلى الأبد.

 

هو ملجأ لنا

العالمُ يتزعزعُ ونظامُه ينهارُ أمّا الله في وسَطِ الكنيسةِ فلن تتزعزع. عونٌ في الضّيقات وُجدَ شديدًا. الأممُ تعجّ، الممالكُ تتهاوى، الاقتصادُ ينهارُ، الوباءُ يتفشّى، لكنّ الله ملجأٌ لنا وقوّةٌ، فلا نخشى. الأرضُ تتزحزحُ، وتنقلبُ الجبالُ، أمّا الرّبُّ فيتعالى بينَ الأممِ وفي الأرضِ. كلامُه لا يزولُ، ووعودُه ثابتةٌ يمكنُ الوثوقُ بها.

 

سيأتي يومٌ يضعُفُ فيه جبروت العالم، وجبابرتُه وعظماؤُه وملوكُه وأمراؤُه يرتجفون كورق الشّجر في الخريف ويضرعون إلى الجبالِ والصّخور الّتي عبدوها أن تسقطَ عليهم وتخفيهم من وجهِ الجالسِ على العرشِ ومن غضبِ الخروف. عندئذٍ يثبت أولادُ الرّبّ، ويترنّمون في ملجأهم، "لأنّ ياه يهوه قوّتي وقد صارَ لي خلاصًا". وعندما ينهار ُكلُّ شيءٍ في السّياسة والاقتصاد ولا مِن رجاء، "فإنّي أبتهجُ بالرّبّ وأفرحُ بإله خلاصي".

 

يرافقُك هذا الملجأُ الحصين كلّ الأيّام وإلى انقضاء الدّهر. يسير معَك، يتقدّمُك، يُسَهّلُ طريقَك، يفتحُ الأبوابَ أمامَك، يباركُك بكلّ بركةٍ، يواسيك ويعزّيك ويمسِكُ بيمينِك ويعبرُ بك حتّى في المياهِ والأنهارِ فلا تغمرُك، وفي النّار فلا تلدغُك. 

 

نظامُ العالمِ يتركُك يائسًا في المأوى ومتألمًا في المستشفى، وحائرًا في التّجربة، ووحيدًا في المصيبة. أمّا الواثقُ بالرّبّ فيقولُ، "كنت فتى وقد شِخْتُ ولم أرَ صدّيقًا تُخلّي عنه ولا ذرّية له تلتمسُ خبزًا. إذا سقطَ لا ينطرحُ لأنّ الرَبّ مسنِدٌ يدَه".

AddToAny