لماذا يسمح الله بوجود الشرّ؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

صعب أن يحدّد إنسان هدف الله لسماحه بوجود الشرّ في العالم. يعود السّبب لنقص المعلومات لديه وقلّة المعطيات أمامه. بشكلٍ عامّ، يفتقر النّقاش حول حدوث الشّرّ إلى الكثير من الدقّة. فالسّبب من ورائه ليس وحيدًا وكذلك النّتيجة من جرّائه. قد يكون الشرّ حَصادُ زرعٍ قديم، أو نِتاج الحرب الروحيَّة مع الشّيطان، أو تأديب، أو إمتحان، إلى ما هنالك من أمور أخرى متنوِّعة. ولا تقتصر نتائجه على أمور سيّئة فقط فتتخطَّاها محفّزة المرء على التّواضع والاقتراب إلى الله وطلب الصّفح عن خطاياه، وغيرها من الفوائد الإيجابيّة. إذًا مصادر الشّرور متنوّعة وكذلك غاياته. يبقى أنّ الله يسود عليه فيحوّل الظُلمة الّتي فيه لخير مشروعه وتتميم مشيئته.

 

إنعدام الشرّ يُفقد الخير معانيه فيخسر البشر فوائد مشيئة الله الصّالحة والحكيمة. لو لم يسمح الله للنّاس باقتراف شرور ثقيلة لما تحقّق أعظم فداء على الصّليب. لا يُطبَّق هذا المبدأ على جميع الشّرور فثمّة احتمالات يجهلها الإنسان وأمور لا يمكنه إدراك أبعادها. سماح الله بوجود الشرّ لا يبرّر الشرّير أو يرفع عنه مسؤوليّة أفعاله الأثيمة. صحيح أنّ العليّ القدير، والسيّد المطلق، لا يتلوّث بالشّرّ كميزة جوهريّة في ألوهته، لكنّه يدين فاعله ويعاقبه. الإنسان مسؤول عن أفكار قلبه وأعمال يديه أمام الله.

 

وهنا يُطرح سؤال عن إمكانيّة الجزم والحسم بخلق كونٍ أفضل. يتخيّل بعض الشّعراء والمغنّين عالما لا شرّ فيه ولا خطيّة ولا سماء ولا جحيم ولا حروب. ويحلم بعض الفلاسفة بجمهوريّةٍ فاضلة. لا يصبح الخيال واقعًا ولا يمكن مقارنته بالعالم الّذي نعيش فيه. فنحن نفتقر كثيرًا إلى فهم الواقع لنكون منصفين في حكمنا عليه ومقاربته بعالمٍ من صنع أحلامنا.

 

إنّ العالم مُعقَّدٌ جدًّا، والإنسان المخلوق فيه بمِيزاته وإمتيازاته مُعَقّدٌ أكثر. وهو يجهل تمامًا ماهيّة عوالم أحلامه وكيفيّتها. لكن من يعرف الله وصفاته، إله الكتاب المقدس، يُدرك أنّ لا شيء في الوجود يفسد مشروعه الكامل، خيرًا كان أم شرًّا. سقط العالم في الخطيّة وفسد جميع البشر، لكنّ الله يبقى كما هو السيّد على الكُلّ، والعَالِم بالكُلّ، والمُرتّب الكُلّ منذ الأزل. ليس هناك عالمٌ إفتراضيٌّ أفضل ينتقص من حكمته وذكائه ومجده. 

 

إذن، يسمح الله المُحبّ بالشرّ لأسباب كثيرة، قد نجهلها وقد نعرف بعضها، لكنّها ليست بسبب عَجْزِه أو غيابه أو قسوَتِهِ، إنّما بسبب بُعد فكره عن فكرنا وعمقه.

AddToAny