مصرفك مدى الحياة

الكاتب:
العدد:
السنة:

الوضع المصرفي والمالي في لبنان يتدهور وينهار. يتعرّض ما يملكه المودعون لخسائر فادحة غير متوقَّعَة. ونسمع عن الكساد الإقتصادي العالمي قبَيل الحرب العالميّة الأولى، وعن فضائح بنوك، وإفلاس مصارف بسبب الفساد وتردّي الأوضاع الإقتصاديّة. ونتذكّر الّذين استثمروا أموال النّاس، وقدّموا لهم الفوائد العالية في أثناء الحرب الأهليّة في لبنان، ثم خرّبوا بيوتهم. كم من شخص فقد كلّ مدّخراته واعتلّت صحّته وانتُهكت مصالحه. فنسأل، هل من شيء مضمون بالكامل في لبنان والعالم؟

 

 يسعى من لا يملك مالًا إلى اقتنائه. ويقلق من لديه فائض ليحافظ عليه. أخبرنا يسوع عن إنسان دفن مال سيّده في الأرض فوصفه بشرّير كسول، والّذين استثمروا أمواله وربحوا نعتهم بالحكماء الأمناء؛ والمتاجرة لا تخلو من المخاطرة. تقضّ الأمور الماليّة مضجع النّاس بطريقة أو بأخرى ولو بنسبٍ متفاوتة.

 

علّمنا يسوع عن مبادئ ملكوت السّموات في العظة على الجبل. وأجاب على بضعة أسئلة نطرحها في أذهاننا حول العلاقة بين ممتلكات الإنسان الماديّة وقلبه. هل من الخطأ أن نكنز مالًا على الأرض؟ بأيّ معنى يصبح المال سيّدًا وكيف نتجنّب الخطر؟ كيف يوجِّه الإنسان طموحه بشكلٍ إيجابيّ سليمٍ مضمونٍ ومبارك؟ كيف يسدّد احتياجاته الماليّة والمادّيّة وهو يطلب أوّلًا ملكوت الله وبرّه؟

 

اختيار الكنز الأفضل   

عرف تلاميذ يسوع كلفة اتّباعهم له. تخلّوا عن أعمالهم ولم يكن لديه مسكنٌ لهم ولا رصيدٌ ماليٌّ ليصرف عليهم. الحقّ يُقال إنّ الوضع الماليّ لمعظم المسيحيّين في لبنان اليوم أفضل بما لا يُقاس من وضع يسوع وتلاميذه. لكنّ يسوع مدحهم لأنّهم كنزوا كنوزهم في السّماء وليس على الأرض. لقد اختاروا الكنز الأفضل.

 

لا يمنع يسوع المؤمنين من العمل الجادّ والطّموح وتحسين أوضاعهم المعيشيّة. ولا يحرمهم من تجميع الأموال واستثمارها، أو من امتلاك البيوت والأراضي. لكن عليهم ترتيب أولويّات حياتهم ووضع استثماراتهم في مكانٍ منتجٍ بفائدةٍ أصلح وأكبر وأبقى. يرغب في أن يراهم يخطّطون جيّدًا لمستقبلهم، فيكونون أناسًا مسؤولين، ووكلاء صالحين على كلّ مالِهم وعلى كلِّ ما لَهم، لكي يقضوا حياةً مضمونةً ومصونةً ومثمرة. قال مرّة، "إذا كان لأحد كثير فليست حياته من أمواله". الكنز المضمون أبديًّا هو الأفضل.  

 

تصبح استثمارات المؤمن أبديّة ومحفوظة، حين يساهم في خدمات كنيسته الإرساليّة، ويدعم خدّام الكلمة من وعّاظ ومبشرين، ويعمل لتأسيس كنائس جديدة في أماكن محتاجة. ليس الإعتماد المصرفيّ السّماوي أمرًا ماديًّا. يحافظ المؤمن على بطاقة ائتمانه فوق السّحاب بتقديمه عشوره بأمانةٍ وانتظام بحسب تعليم كلمة الرّبّ. ويكنز في السّماء عندما يستثمر وقته في خدمة الرّبّ، وقيادة الآخرين لمعرفة المسيح ودرس الكلمة وعبادة الرّبّ في الكنيسة. مَن يصرف وقتًا وجهدًا في الصّلاة التّشفُّعيّة مِن أجل المؤمنين والهالكين والوطن يكون عاملًا، لا للحياة الفانية، بل للأبديّة. ومن يزور المريض ويواسي الحزين ويفتقد اليتيم والأرملة في ضيقاتهم، ويضع مواهبه وإمكانيّاته وشهاداته العلميّة وخُبراته الحياتيّة في تصرّف كنيسة المسيح، يصبح غنيًّا في ملكوت السّموات. يفتح الإنسان اعتماده المصرفي في السّماء حين يلاحظ الفرق بين الأمور الوقتيّة الّتي تُرى والأمور الأبديّة الّتي لا تُرى.

 

السّير في النّور الأفضل

لا يقتصر الاختيار الأفضل على موضوع الكنوز، وعلى المؤمن السّلوك في النّور الأفضل. "سراج الجسد هو العين"، قال يسوع. تشير العين، وهي من الحواسّ الخمس وإحدى بوّابات جسمنا إلى العالم الخارجيّ، إلى النّور والمعرفة والفهم والقيادة. لذا صلّى بولس لكي تستنير عيون أذهان المؤمنين. لقد رغب في أن ينموا في معرفتهم للمسيح.

 

وتعني العين أيضًا البصيرة الداخليّة، مركز انتباهنا وتركيزنا وتفكيرنا. فإذا كانت بسيطةً وتركِّز على كنوز السّماء يكون كلّ جسدنا واعيًا لأمور الحقّ والخير والصّلاح. عندئذٍ يصبح فكرنا وكلامنا وسلوكنا وأعمالنا متّجهة لإرضاء الله. ولكن عندما نركِّز فقط على أمور الدّنيا وكنوزها الفانية، مستثمرين كلّ مقدراتنا ومصادرنا ومواردنا في شؤونها ولا نلتفت لما يقوله الرّبّ في الصّواب والخطأ، عندئذٍ نقفل باب النّور والحقّ فتظلم البصيرة الداخليّة ونمتلئ بالطّمع والأنانيّة. حين يصبح النّور فينا ظلامًا، فالظّلام كم يكون؟

 

الخضوع للسّيّد الأفضل

"لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين. لأنه إمّا أن يبغض الواحد ويحبّ الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر". يمكن لإنسان أن يشتغل في وظيفتين ولأمر مديرين مختلفين، لكن، لا يمكنه تقديم نفس الولاء للإثنين. وإذا صادف أن طلب منه الإثنان خدمةً في وقتٍ واحدٍ، فإنّه يختار واحدًا منهما. واحد فقط له الأولويّة والأفضليّة. سيخدم السيّد الأفضل ويقدّم للآخر ما تبقّى من وقت.

 

يتابع يسوع ويقول، "لا تقدرون أن تخدموا الله والمال". يقصد بالمالِ المالَ وكلَّ ما نشتريه بواسطته، أي كنوز الأرض. ليس الأمر تعجيزيًّا. نحن بالواقع نخدم الله وفي الوقت ذاته نعمل من أجل المال. ما يطلبه يسوع أن تكون خدمةُ الله عملَنا الأساسي بمعنى أن يكون وحده الّذي يوجِّه حياتنا في كلّ دوائرها. عالمنا ماديّ، فحين يتعارض مبدأ المادّة مع مبادئ كلمة الله علينا أن نختار السّيّد رقم واحد في حياتنا. من الأفضل أن نخدم الله، لا المال فنعصى الله.

 

من يكنز في السّماء عليه أن يسأل نفسه، كم أصرف وقتًا بالتّفكير في جنيِ المال وصرفه؟ كم يلعب المال دورًا في أهدافي المستقبليّة؟ كم أُنفق من مدخولي الشهريّ أو السّنوي على نفسي، وعلى الآخرين، وعلى خدمة الرّبّ؟ ماذا أختار عندما أقف أمام خيارين: جني مالٍ أكثر أو خدمة محتاجٍ بدون مقابل؟ إجاباتك تحتّم من هو سيّدك.

 

مهمٌّ جدًّا الحصول على المال لنعيش ونسدّد احتياجات الّذين يعتمدون علينا. لكنّ الأهمّ أن نسيطر نحن على المال. لننتبه أن يكون مصرفنا السّماء مدى الحياة. ومن يضع كلّ كنوزه في الأرض سيخسر كلّ شيء حين يغادرها.

AddToAny