معاملات الله معنا

العدد:
السنة:

 تؤثّر نظرتنا وأسلوب حديثنا عن معاملات الله معنا يومًا بعد يوم، على مدى انفتاحنا لإرشاده في القرارات الكبرى في الحياة. اختار بعضٌ من النّاس طريقة تفكير وحديث "التَّقويِّين"، وهي ضارّة جدًّا لمفهوم الإرشاد الحقيقيّ. يعزو هؤلاء مختلف الأحداث اليوميّة لتدخّل الرّب الخاصّ والمباشر. كما لو كانت حياتهم مليئة بالمعجزات الصّغيرة. يعتقدون أنّه أسلوب حديثٍ "روحي"، وهذا ما يريد الرّب رؤيته في شعبه. يتدخّل في حياتنا بالتّأكيد ويتحكّم بظروفنا بشكلٍ واضحٍ لا ريب فيه، ولكن هذا يختلف تمامًا عن محاولة استقراء إرشاد الرّب في سلسلة من الصّدف وفرص "النّجاة" الصغيرة.

عندما يعتاد المؤمنون على التّفكير والتّحدث بشكلٍ "تقويّ"، يركّزون بشكلٍ رئيسيّ على أشياءَ صغيرةٍ جدًّا، أو على أحداث شخصيّة بالكامل، وليس على أمور كبيرة. وبالأغلب تكون أمورًا أرضيّة وليس روحيّة. كأن يشدّدون على الأحداث السّعيدة لا الصّعبة أو المؤلمة التّي يجعلهم الربّ يمرّون بها. ينسى هؤلاء أنّ الرّب يتدخّل بلطفٍ بالغٍ لمساعدة شعبه استجابةً لصلواتهم عند الحاجة، لكنّه أيضًا يدرّبهم على احتمال المشقّات بوساطة نعمته الرّائعة.

قالت سيّدة مؤمنة تصنع المربّى،"كان الرب رائعًا معي هذا الصّباح! فقد منع المربّى من الغلي بينما كنتُ في الخارج". علّق آخر، "لقد أشرقت الشّمس اليوم، فقط عندما أرسلتُ معطفي للتّنظيف. يا له من أمرٍ مثير! لا بدّ أنّ الربّ أَمَرَها بالشّروق خصّيصًا لي".

تشويش

قد يكون ما يحدث لنا هو بسبب عامل طبيعيّ أو بشريّ، كالقوى الطبيعيّة الّتي يُسمح لها التّأثير في حياتنا بعلم الله. غالبًا ما يُسمح للشّيطان التّدخّل في بعض الشّؤون، كما فعل مع بولس فقال، "وإنّما عاقنا الشّيطان". وكثيرًا ما نكون نحن أنفسنا، بسبب الخطيّة أو الجهل، السّبب الحقيقيّ لسوء الظّروف والمصائب الّتي تواجهنا. ويسمح الرّب بذلك لتقديسنا. إن الله كلّي السّيادة، ولا شيء يحدث لنا إلا بموافقته وإشرافه. يجب ألّا ننجرف لفكرة أنّ الأشياء الصّغيرة والدُّنيويّة والصّالحة هي فقط أمثلة عنايته بنا. لماذا نظنّ أنّ المفاجآت والصّدف السّعيدة هي المثال لعمل الله في حياتنا؟ لماذا لا نتحدّث عن الأيّام التي لا يحدث فيها شيء رائع، كأوقات المرض والفشل؟ ألا يوجد قصد وتدبير لكلّ ما يحدث لأولاد الله؟

مخاطر

من يمارس هذا الأمر لا يكون موضوعيًّا في حياته الرّوحيّة، بل يدور في فلك الأحداث. يتركّز عقله على رؤية تدخّلات الله ممّا يجعله عرضة لتخيّلات واسعة ومتسارعة. فيصبح مضطربّا ومتردّدًا ظانًّا أنّ ضمانه وسلامه يعتمد كليًّا على رؤيته لتدخّلات الله في حياته. فيراقب العلامات الصّغيرة بدلا من الوقوف ثابتًا على كلمة الله ووعوده. يعتمد إيمانه في نهاية المطاف على الصّدف الواضحة والرّاحة المرجوّة، كدليلٍ رئيسيّ على أنّ يد الله فوقه.

يحقّق الربّ وعده الشّهير في رسالة رومية، "ونحن نعلم أنّ كلّ الأشياء تعمل معًا للخير للّذين يحبّون الله الّذين هم مدوّون حسب قصده"، فيسمح إلى جانب بركاته أن نتعرّض لتجارب الحياة ومتاعبها وأحزانها وضيقها وأمراضها وسقطاتها، سواء كان ذلك بسببنا، أو بسبب الشّيطان، أو الظّروف الطبيعيّة. في اجتيازنا المشاكل والصّعوبات، ينسج الربّ معًا كلّ خيوط تجارب الحياة، ويستخدمها للتّأديب والتّعضيد والتّدريب، لتعمل معًا لخيرنا الرّوحيّ الأبديّ. من خلالها يوبّخنا على خطيّة، أو يدرّبنا ويطوّر مرونتنا وشخصيّتنا لتتناسب مع بعض الخدمات المستقبليّة. ويحفّز كذلك اعتمادنا عليه في الصّلاة، أو يعلّمنا أن نكون حسّاسين لمعاناة الآخرين، أو يذكّرنا ببساطة بوجوب إضرام محبّتنا للأمور السماويّة وعدم محاولة الحصول على الشّبع من أشياء هذا العالم. عندما ننزعج بسبب سوء الأحوال الجويّة أو تأخّر سيّارة الأجرة قد لا تكون مشيئة الله بالضّرورة أن نتخلّص من المعاناة.  كلّ ما لا يسير على ما يُرام هو جزء من التّدريب على السّماء.

خِداع

يجب أن نتذكّر أنّ الشّيطان وبسماح من الرّب يمكنه أن يجلب "الخير" لحياتنا. فلا ننسب بتسرّع كلّ وسائل الرّاحة لله. يحاول إبليس صرفنا عن خدمة الرّب عبر إغرائنا بوسائل راحة، ومصالح، ومديح، وفرص أرضيّة عظيمة. وقد يرتّب لنا أيضًا هدايا ومفاجآت سارّة من أجل إغرائنا بصداقات دنيويّة، وتحالفات أو وظائف.

يشير بولس في رسالته إلى كنيسة أفسس أنّ الشّيطان يستخدم "حيلاً"، أي استراتيجيّات، في هجومه على المؤمنين لخداعهم وجذبهم. لا يدرك أصدقاؤنا، الّذين ينسبون الزّخم المستمرّ للنّعَم البسيطة لتدخّل الله المباشر، أنّ الربّ يعمل لتسمو اهتماماتهم فوق الأشياء الأرضيّة، الصّغيرة والمألوفة، فينصرفون إلى عمل المسيح وتقدّم الإنجيل. لا يغدق الله علينا معجزات شخصيّة وصغيرة تتعارض مع أهدافه التّدريبيّة الخاصة. يبيّن الرسول بولس أيضًا أنّ المؤمنين غالبًا ما يُدعَون لتحمّل العدائيّة والظّلم.

واجه الرّسول بولس باستمرار المتاعب بسبب خدمة الرب. لم يتجنّبها كلّها إلاّ أن الربّ مدّه بالقوّة ليحتملها إلى لحظة النّجاة منها.

تدخّلات عظيمة

يبارك الله شعبه بتدخّل ملحوظ في معارك الإيمان الكبرى. يجنّد النّاس والأحداث ويحّركها ليحقّق أغراضه حين يرسلنا للخدمة لنقدّم رسالة الإنجيل. لم يَسْلم داود من صعاب المعركة، ولا من الحزن الشّخصيّ السّاحق على ابنه المتمرّد، لكنّ الله تحرّك بقوة للحفاظ على عمله وشهوده ولنصرهم. بمجرد عودته إلى حيث يجب، صلّى إلى الله، وأعدّ نفسه للمعركة، شجّعه الله بدليل واضح على تدبيره الفائق.

نحن نؤمن أنّ الله يتدخّل، ويرزق شعبه في كلّ شيء. علينا طلب بركاته، خاصّةً في خدمته والإهتمامات الكبرى في الحياة. إذا كرّسنا حياتنا بحقّ للرّب، وقاطعنا كلّ اهتمام بالأمور الدّنيويّة، ووضعناه أوّلًا في حياتنا، عندئذٍ نختبر العديد من التدخّلات الواضحة، فنقول: "أفضل شيء، هو أنّ الله معنا.

AddToAny