ميزان الجواهري

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يَكثُر الكلام عن الله في هذا الزّمن، وتقلّ المحبّة الصّادقة له. يبالغ بعض النّاس في عواطفهم وتعابيرهم المتصوّفة البعيدة عن حقيقة الواقع. لا يؤخَذ الله بالكلام الرنّان ومظاهر الدّين، ولا يُبالي بالشّعارات الواهمة والمزايدات المتطرّفة بقدر ما يُسَرّ بالطّاعة القلبيّة والعمليّة. صرّح يسوع، "إن أحبّني أحد يحفظ كلامي. ويحبّه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 24).

 

يفحص الرّب محبّة القلب كما يفعل الجوهرجيّ بالذّهب المعروض أمامه. يضع جانبًا العُلبة المخمليّة الجميلة بعد أن يُمسك بالقطعة الذهبيّة. يتفحّصها بعينيه ثم يمعن النّظر إليها بمجهره ليكتشف مدى نقاوتها وخلوّها من الزّغل. بعد ذلك يضعها في ميزانه ليدقّق في عيارها ويثمّنها. إذا وجدها مزيّفة يرفضها، ويقبلها إذا تأكّد من صحّتها. لا يُخدَع بالعُلبة الخارجيّة ولا يُخطئ في تقييم المعدن، فهو خبير ويعرف مهنته. هكذا المسيح لا ينخدع بالمظاهر والمشاعر ويتطلّع إلى جوهر الإنسان الدّاخلي. فلقد قال، "أنا الرّبّ فاحص القلوب ومُختبر الكُلى، لأعطي كلّ واحد حسب طرقه" (إر 17: 10).

 

علّم الرّب صموئيل النّبي درسًا حين أرسله ليمسح داودَ ملكًا، "الإنسان ينظر إلى العينين، وأمّا الرّب فإنّه ينظر إلى القلب". وقع الإختيار على داود لأن محبّته لله كانت قلبيّة صافية وحقيقيّة ومطيعة. دُعي يوحنّا الرّسول بالحبيب لأنّ الربّ تفحّص قلبه. وعلى هذا الأساس عَلِم محبّة مريم الّتي كسرت قارورة الطّيب عند قدميه، وكشف عدم محبّة الفريسيّ مع أنّه صنع له مأدبة غذاء فاخرة في دارته. عاتب يسوع الشّعب لأنّ محبّتهم كانت شفويّة إدّعائيّة. فوصفهم، "يقترب إليّ هذا الشّعب بفمه، ويُكرمني بشفتيه، وأمّا قلبه فمبتعد عنّي بعيدًا" (مت 15: 8).  

 

المظاهر البرّاقة لا تستميل الله. لا يمكن لأحد أن يستتر خلفها ثمّ يهمل كلام الرّب ويكسر وصيّته ويرتكب المعاصي ويزدري بالنّعمة. يعرف الرّب القلب كما يعرف الجواهريّ حقيقة المعدن في ميزانه الدّقيق. لا يقبل المسيح محبّة له أقلّ من الوصيّة الأولى والعُظمى، "تحبّ الرّب إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك ومن كلّ قدرتك". إنّ يوم الرّب قريب حيث سيوضَع قلب كلّ إنسان في "ميزان" الله وتُفحص محبّته إذا كانت حارّة أو باردة أو فاترة أو مزّيفة. يجب أن يضرع كلّ واحد مع داود قائلًا، "إختبرني يا الله واعرف قلبي. إمتحنّي واعرف أفكاري. وانظر إن كان فيَّ طريق باطل، واهدني طريقًا أبديًّا" (مز 139: 23).

AddToAny