ناموس العقل السّليم

العدد:
السنة:

إنّ الثورة العاطفيَّة في بعض دوائر المسيحيَّة تجاهلت تماماً القانون المذكور، الذي عادةً ما يُعرف ب "ناموس العقل السليم" والذي يدعو إلى ضرورة تحكُّم عقولنا الرشيدة بأفكارنا وأعمالنا بصورة دائمة، بالإضافة الى خضوع عقولنا بشكلٍ تامّ لكلمة الله باعتبارها المصدر الوحيد لتعاليم الله الموثوق بها. البعض يزعمون أنّ السّيطرة العقلانيّة الدّائمة على أفكارنا وأعمالنا تتعارض مع عمل الرّوح القدس وتقمعه. ويشدّدون على ضرورة استعداد المؤمنين للتخلّي عن هذه السّيطرة بغية الانفتاح على الأنشطة الآلهيّة المباشرة في العبادة والخدمة المسيحيّة على السّواء.

الأسلوب المُعاكس

من يتبنّى هذا الأسلوب يبذل جهودًا مضنيةً لمساعدة النّاس على التخلّي عن السّيطرة العقلانيّة والتّصرّف بحريّة ومن دون أيّ قيود. ويهدف ذلك الى حثّ المتعبّدين على  تقبّل الأمور كافةً مهما بدت غريبةً أو غير قابلة للتّفسير أو شاذّة. تُعدّ الموسيقى الإيقاعيّة العالية إحدى الرّكائز التي تستند اليها هذه العبادة. وبناءً على ذلك، أمسى بعض العابدين ساذجين الى حدٍّ كبير إزاء التّعاليم الخاطئة والمبالغة والمراوغة والأكاذيب، وذلك من جرّاء استبعاد ناموس العقل السّليم (وهو حماية يوفّرها المنطق). وقد أصبحوا عُرضةً، بشكلٍ خاصّ، للمشعوذين والمحتالين الدينيّين، كما أظهرت الثّمانينات من القرن العشرين وذلك بشكلٍ منتظم. علاوةً على ذلك، تتفشّى ظاهرة العاطفيّة ضمن دوائر كثيرة في حين أنّ الفوضى الروحيّة الخطِرة تنتشر على نطاقٍ واسعٍ نظراً إلى الحريّة التي يتمتّع بها عدد كبير من القادة والتي تتمثّل بالقيام بما يبدو صحيحاً في نظرهم. وظهر كلّ ذلك نتيجة وضع المعيار الموضوعيّ لكلمة الله جانباً والتّخلّي عن القدرة على الحكم وضبط النّفس، علماً أنّ العقل السّليم يتطلّب كلّ هذه الأمور.

مخلوقون على صورة الله

يتمثّل السّبب الكتابيّ الأوّل الذي يبرّر الإصرار على قدسيّة السّيطرة العقلانيّة في أنّ العقل المنطقيّ هو المَلَكة التي تميّز البشر بصفتهم مخلوقين على صورة الله. وفي هذا السّياق، يبيّن تكوين ١: ٢٦ أنّنا نعكس صورة الله : "لنصنع الإنسان على صورتنا، كمثالنا،فيتسلّط على...الأرض". إذاً، تعدّ هبة المنطق المَلَكة العقليّة الأسمى والأكثر نبلاً التي نملكها، أي القدرة على التّفكير والإدراك والتأمّل في المسائل بصورة معقولة ومنطقيّة ومنظّمة وعقلانيّة. كذلك، ما من شكّ في أنّ الإنسان وقتَ خُلِق كان يعكس صورة الله بمجدٍ وبشكلٍ يفوق أيّامنا هذه. ولا شكّ في أنّنا قد فقدنا البراءة الأصليّة والانسجام الرّوحيّ والفريد مع الربّ. فالحقيقة أنّ أباءنا الأوّليّين كان بمقدورهم سماع صوت الله بوضوح في جنّة عدن، والتكلّم معه كما نتكلّم مع بعضنا البعض. ولكن، على الرّغم من تشويه الصّورة إلى حدٍّ كبير من جرّاء السّقوط، إلا أنّ الجنس البشري ما زال يعكس صورة الخالق من خلال تمتّعه بالوعي الأخلاقيّ وبروح خالدة وبمَلَكَة عقلانيّة ومنطقيّة.

ويتمثّل الهدف الرّئيسيّ للإنسان في تمجيد الله والتّمتع به الى الأبد، ويجدر بنا أن نمجّده كأفراد نعكس صورته وليس كحيوانات غير عاقلة. فلا يدعو الله مملكة الحيوان لتنادي بإسمه وتقدّر صفاته وتخدمه من كلّ قلبها وكلّ عقلها، بل يدعو فقط أولئك الذين يعكسون صورته للاضطّلاع على هذا العمل المميّز والمجيد. وهو يدعو مَنْ يملك مَلَكَة عقلانية مفكّرة ومَن يستخدمها ليُعبّر بصدق عن مشاعر الامتنان والمحبّة والحمد.

العقل هو قصر الإيمان

يكتسي العقل أو القدرة العقلانيّة أهميّة قصوى بالنّسبة إلى خبرتنا المسيحيّة لأنّها القصر الذي يضمّ الإيمان. فلحظة يستلم المؤمن هبة الإيمان، يغدو العقل مقتنعاً تمام الاقتناع بكلمات الله، ويتّخذ الإيمان مقرّاً له في هذا المكان. فالإيمان يعمل في داخل القدرة العقلانيّة ومن خلالها. وتجدر الإشارة الى أنّ كلمة "إيمان" الواردة في العهد الجديد تعني: مُقتنع؛ متأكّد. وبالطبع لا يمكننا أن نكون مقتنعين أو متأكّدين إلّا إذا كانت عقولنا تعمل بصورةٍ واعيةٍ ومنفتحةٍ على كلمة الله. لذلك، يؤدّي إيقاف العقل الى إيقاف الإيمان أيضاً.

وفي هذا السّياق، إذا قمنا بوضع حدّ للفطنة وبالانفتاح على القصص غير الكتابيّة والحكايات المشكوك فيها حول المعجزات اليوميّة، فمِمَّ يتكوّن الأثاث، عندئذٍ، في داخل قصر الإيمان؟ وما هي الأمور التي ستشغل غرف العقل؟ ومَنْ سيحظى بالاقتناع و المصداقيّة: كلمة الله أم الحكايات؟ ينبغي على العقل أن يحرس دوماً الأبواب التي تفضي إليه وأن يتولّى حماية كلّ ما يدخل بعناية.

النّضوج الرّوحيّ

يتمثّل الهدف الأسمى من حياتنا المسيحيّة في الرّضوخ للمسيح. ويعرب بولس عن هذا الهدف في رسالة أفسس ٤: ١٣ بالكلمات التّالية: "إلى أنْ نَصِلَ كُلّنا إلى ... مَعرِفَةِ اَبنِ اللهِ، إلى الإنسانِ الكامِلِ، إلى مِلءِ قامَةِ المَسيحِ". بالإضافة الى ذلك، نحن نتوق إلى التّعمّق في السّمات الأخلاقيّة والنّعمة والمحبّة والمعرفة وأيضاً في الفطنة والحكم، كما أنّنا ملزمون بالارتقاء من مرحلة الطّفولة الرّوحيّة إلى مرحلة النّضوج. فالموسيقى الصّاخبة والرّقص والمرح وعدم الرّصانة، بالاضافة الى المطالب الضّئيلة من العقل، كلّها ملامح تختصّ بسلوك يُفرح الشّباب ويُعيق النّضوج.

أمّا النّاضجون فلا يشعرون بالرّاحة، لا لأنّهم غير مستعدّين للسّماح للرّوح القدس بالسّيطرة على حياتهم، كما يدّعي البعض، بل لأنّهم يشعرون بأنّ أسلوب هذا الاجراء يعاكس النّضوج الرّوحيّ. كذلك، يجدر بنا أن نطرح الأسئلة التّالية فيما نسعى إلى التقرّب من المسيح والتشبّه به: هل كان سلوك المسيح متحرراً من القيود؟

قد أمرنا الربّ باستخدام عقولنا الناضجة، وعدم التصرّف كالأطفال الذين يستعملون عقولهم تارةً ويوقفونها طورًا. ومن الضّروريّ أن تكون أفعالنا مُسيطَرًا عليها وصادقةً وواعيةً وأن تليق بسيّدنا. الطّريق نحو السّماء تقودنا دائماً الى الأعلى وليس الى الأسفل، كما هي الحال بالنّسبة إلى نضوج السّلوك والسّيطرة العقلانيّة والإدراك، إلى جانب سائر الغايات في الحياة المسيحيّة.