هل أنت شخص ناجح؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

تتفاوت ردود النّاس حين يُسألون عن نجاحهم الشّخصيّ. يعترف البعض بأنّه ناجح جدًّا، ويشير البعض إلى عدم تأكِّده، ويطلب آخرون توضيحًا أكثر ليستطيعوا الإجابة. لذا يُطرح سؤالٌ آخرُ، ما هو تعريفك للنّجاح؟ يكمن النّجاح بالنّسبة إلى تلميذ المدرسة في العلامات الجيّدة، ولمن تخرّج حديثًا من الجامعة في الحصول على وظيفة، أمّا للموظّف فهو التّرقية إلى منصب أعلى.

 

رأى رجل أعمال "ناجح" صيّاد سمك يصطاد بسرور سمكة تلو الأخرى في زورقه الصغير. فقال له، "هناك عدد هائل من السّمك في هذه البحيرة، لمَ لا تجتهد أكثر في عملك، وتقضي وقتّا أقلّ مع عائلتك، فتدّخر لشراء قاربٍ ثانٍ، وتستأجر له صيّادًا، فتيتضاعف ربحك، وتمتلك قاربًا ثالثًا، ثمّ رويدًا رويدًا تبني اسطولًا من قوارب الصّيد. ثُمَّ تبني مسمكةً كبيرةً لبيع السّمك، وتبتكر اسمًا تجاريًّا، وتسوّق له، وبعد عشرين سنة من العمل الجاد تبيع شركتك بملايين الدّولارات؟" أجابه الصيّاد، "ماذا أفعل بعد ذلك؟" أجابه رجل الأعمال، "يمكنك أن تتقاعد!" "ثم ماذا؟"، سأل الصيّاد. فتمتم الرّجل، "يمكنك فعل ما تريد. كأن تقضي نهارك كلّه في صيد السّمك".

 

لو فعل الصيّاد ما يعتبره الآخرون "نجاحًا"، لصار أتعس النّاس. يتعلّق النّجاج بالإنسان الفرد لذا يختلف من شخص لآخر. وهو يرتبط بالفترة الزمنّية المرحليّة الّتي يجتاز فيها.       

 

اكتشف هدف الله لحياتك

يعرّف قاموس أكسفورد النّجاح في مراحله الأولى، "تحقيق هدف أو غرض". الخطوة الأولى لإجابة إنسان على السّؤال، "هل أنت ناجح؟" يكون في تحديد هدفه ومهمّته ودعوته. إذا وجد ضبابيّة وعدم وضوح عليه أن يراجع ذاته ويعيد حساباته. إنّ أهمّ يومين في حياة كلّ شخص، اليوم الّذي وُلد فيه، ثمّ اليوم الّذي يكتشف فيه سبب وجوده. قال الرّسول بولس، "لأنّنا نحن عمله، مخلوقين في ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ ٱللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أف 2: 10).  

 

أعدّ لنا الله أعمالًا صالحةً ويريدنا أن ننجزها. يتطلّب اكتشافها التّواجد المستمرّ بالقرب من الله فنسمع صوته وندرك خطّته لحياتنا وبالتّالي، يتّضح أمامنا هدف وجودنا. يحضر في ذهني سؤال حول النّبي إرميا، هل يا ترى كان رجلًا ناجحًا؟ علمًا أنّ الشّعب رفض رسالته ولم يُصغِ إليه واضطّهده. صرّح القس برنارد أدينغر، "لا يوجد فشل داخل إرادة الله، ولا يوجد نجاح خارج إرادته". إذًا ليكون الإنسان ناجحًا عليه أن يكتشف هل هو ضمن إرادة الله وما هو هدف الله لحياته؟

 

كن أميناً

علّم الربّ يسوع تلاميذه أن يصلّوا قائلين، "أبانا الّذي في السماوات". تضعهم هذه الصلاة أمام امتيازٍ ومسؤوليّة. امتيازهم أنهم أبناء الله ومقدّسون في المسيح يسوع. يدنون كأبناء من خالق الكون والأرض وكلّ ما فيها، ويصلّون إليه كأب شخصيّ لهم. هذه العلاقة مع القدّوس تمنحهم صفة القداسة. يستهلّ بولس رسالته إلى أهل أفسس بالقول، "بولس، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله، إلى القدّيسين الّذين في أفسس، والمؤمنين في المسيح يسوع". كلّ مولود ثانية من الله هو قدّيس. تشير البنوّة والقداسة إلى مركز المؤمن أو مقامه في المسيح أكثر ممّا هو عليه في ذاته.

 

  هذا بالنّسبة إلى الامتياز، أمّا المسؤوليّة فهي أن يعيش تلاميذ المسيح على مستوى البنوّة والقداسة حياة تليق بأبناء الله. بكلام آخر أن يكونوا أمناء للدّعوة وللهدف. صفة الأمناء متضمَّنَة بعبارة "والمؤمنين في المسيح يسوع". فالمؤمن بالله يكون أمينًا له. يوسف ابن يعقوب مثال جيّد لمؤمنٍ أمينٍ ناجح. التصق بالرّب في كلّ الظروف فأنجح طريقه. "وكان الربّ مع يوسف فكان رجلًا ناجحًا." 

 

إبقَ حذراً

يواجه المؤمن تحدّيات كثيرة في مسيرة حياته. ويحاول عدوّ النفوس إفشاله وتحويله عن الطّريق الصّحيح. قال جون بلانشارد، "إذا لم يستطع الشيطان أن يستخدم الفشل ليجرّك إلى الأسفل، فسيستخدم النّجاح". أن يحافظ المرء على المرتبة الأولى أصعب من الوصول إليها، والأصعب أن يبقى متواضعًا فلا يسقط في فخّ إبليس وهو في قمّة نجاحه. يخبرنا الكتاب المقدّس أنّ الملك داود كان إنسانًا ناجحًا "مُفلحًا في جميع طرقه والربّ معه". لكنّه، بعد نجاحاته الباهرة، سقط في فخّ شهواته، على عكس يوسف الذي ثبت في مواقفه ولم يسقط.  

 

لم يكن داود حذرًا فوقع في خطيّة بشعة مع امرأة أوريّا الحثّي. أوّلًا لأنّه تجاهل وصايا الله. بداية الفشل هو المساومة على كلمة الرّب. شعار المؤمن الناجح دائمًا، "سراج لرجليّ كلامك ونورٌ لسبيلي". ثمّ لأنّه لم يقم بواجبه كملك فلم يذهب مع جيشه إلى أرض المعركة وبقي كسولًا مرتاحًا في قصره. من مقوّمات النجاح أن يكون المؤمن نشيطًا يقوم بواجباته الروحيّة والعمليّة على اكمل وجه. في المجال الثالث فشل داود وهو في قمّة نجاحه لأنّه تجبّر وتكبّر وطلب إحصاء الشعب الّذي معه من دون استشارة الرّبّ. ظنّ أنّه حقّق انتصارات عظيمة بمهارته وعديد جيشه متناسيًا الرّبّ الّذي أنقذه من كلّ ضيقاته ورفّعه. سرّ النجاح ليس الذّكاء مع أهمّيته، ولا الاجتهاد مع ضرورته، لكن فضل الله ونعمته. يجب أن يبقى المؤمن حذرًا من فخاخ الشّيطان، العصيان والكسل والكبرياء.

 

الإنسان النّاجح هو من اكتشف مشيئة الله لحياته، ويسعى لتحقيقها بكلّ امانة، حارسًا خطواته كي يثبت في نجاحه وفي رضى الله عليه.

AddToAny