هل يتكلَّم الله إلينا اليوم؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يُدوِّن الكتاب المقدَّس، في العديد من صفحاته، أنّ الله تحدَّث مع البشر مرَّات عديدة بصوتٍ مسموع. ممّا يؤكّد إمكانيَّة حدوث هذا الأمر في أيّامنا أيضًا، إذ لا يوجد مانع كتابيّ أو عملانيّ يقف عائقًا أمام قدرة الله وقصده. لكن يجب أن نتذكَّر أنّ الله خاطب مئات البشر قديمًا، على فتراتٍ زمنيَّة تعدَّت الأربعة آلاف عامًا. من ناحية ثانية كان هذا الإعلان إستثناءًا وليس القاعدة. وفي تلك المرَّات التي تحدَّث فيها الله مع البشر، لم يكن واضحًا تمامًا إذا فعل ذلك بصوتٍ مسموع، أم بصوتٍ داخليّ خفيّ، أو بانطباعٍ عقليّ وذهنيّ غير مسموع أو مُعلَن.

 لا شكَّ أنّ الله يتكلَّم إلينا في هذه الأيّام. "الله، بعد ما كلَّم الآباء بالأنبياء قديمًا، بأنواع وطرق كثيرة، كلَّمنا في هذه الأيّام الأخيرة في ابنه، الّذي جعله وارثًا لكلّ شيء، الّذي به أيضًا عمل العالمين" (عب 1: 1-2). ما هي بعض الوسائل الّتي بها يتكلّم الله مع البشر اليوم؟

 يتكلَّم الله أوّلًا بواسطة كلمته المقدَّسة. يُشدِّد النبيّ إشعياء على فاعليّة الكلمة الإلهيّة بقوله، "هكذا تكون كلمتي الّتي تخرج من فمي. لا ترجع إليّ فارغة، بل تعمل ما سُررت به وتنجح في ما أرسلتها له" (إش 55: 11). الكتاب المقدَّس هو كلمة الله بين أيدينا، فحين نقرأها أو نسمعها تنقل إلينا فكره وقصده كي نخلُص من الّدينونة ونعيش حياة البرّ والتّقوى. يُعلِن الرسول بطرس أنّ الله تكلّم منذ الأزمنة الأزليّة واهبًا لنا كلّ ما هو للحياة والتّقوى، وهو يدعونا لنشاركه بطبيعته الإلهيّة، مانحًا لنا قدرته لنهرب من الشّهوات الفاسدة الّتي في العالم.

 ويتكلَّم الله أيضًا من خلال أحداثٍ معيَّنة وهامَّة. يجتاز البشر ظروفًا صعبة تقف عائقًا أمام نموّهم في الإيمان. يتدخّل الله ليرشدهم فيروا صلاحه العظيم ورعايته الحكيمة لهم. ويتعلّموا تقييم الأمور روحيًّا، وامتلاك ضمير صالح واعٍ، يكونون به بركة وقدوة للآخرين. يشكّل الله ذهن الإنسان من خلال أحداث حياته، ويضبطها ضمن إيقاعٍ عمليّ فعّال وآمِن ينسجم مع قصده السّامي له. يهدف الله إلى تغييرنا وتشكيل شخصيّاتنا ونموّنا المعنويّ والفكريّ والرّوحي بواسطة الظّروف التّي تصادفنا؛ يكلّمنا من خلالها لنكون رجالًا أقوياء في مسيرة الإيمان.

 يتكلَّم الله أحيانًا إلينا بصوتٍ واضح. نتأكّد أنّه من الله إذا كان منسجمًا تمامًا مع إعلاناته المقدَّسة. تكلَّم مع آدم في الجنّة، مع هبوب ريح النّهار فاختبأ خائفًا، ومع موسى في العُلَّيقة الـمُشتعلة غير المحترقة فسجد له. وتكلَّم بصوتٍ خافتٍ مع إيليا النّبي المختبئ من شرّ  الملك أخاب. ثمّ تكلَّم بحزمٍ مع داود حين انزلق بشهوته نحو هاوية الحزن والفراغ النفسيّ المدمِّر. وشاول الطرسوسيّ، الّذي كان يلتهم بعصبيّته العمياء، أغصان الكنيسة المسيحيَّة الأولى الغضَّة، سمع صوت الربّ يكلّمه بوضوح. ولمّا اعتمد يسوع في نهر الأردنّ وبدأ خدمته الفعليّة على الأرض، كان الآب السماويّ يخاطبه.

 

عندما يتكلَّم الله، بصوتٍ مسموعٍ أو خفيّ، يصمت كلّ لسانٍ وتصغي كلّ أذنٍ ويهدأ الكون. كلامه يحدث تغييرًا جذريًّا في حياة أولاده، ويُذكِّرهم بمواعيده الصّادقة والأمينة، وتهدي قلوبهم في سبُل البرّ والقداسة. جيّد أن يصلّي الإنسان مع النّبي صموئيل، "تكلَّم يا ربّ لأن عبدك سامع".

AddToAny