واجبات الآباء تجاه الأبناء

الكاتب:
العدد:
السنة:

أنعم الله على معظم الحيوانات بخوف غريزيّ من الخطر، تتحسّسه لتتجنّبه فتبقى على قيد الحياة. غير أنّه لم يوفِّر للضّفدعة حِماية بهذا المقدار. فهي لا تملك جرس إنذار في جهازها الدّفاعي الوقائي ممّا يُعرّضها للخطر أحيانًا. إذا وُضعت ضفدعة في إناء ماء ساخن، وازدادت الحرارة تدريجيًّا، لا تُبدي ميلًا للفرار والنّجاة بنفسها. إنّها من ذوات الدّم البارد، تتغيّر حرارة جسمها بتغيّر حرارة الماء المحيط بها. وإذ تزداد الحرارة شدّة وحدّة، تبقى غافلةً عن الخطر المحدق بها. لا تقفز، وتظلّ حيثُ هي لاهيةً ساهيةً مكتفية بالنّظر من خلف حافّة الإناء، فيما يتسرّب البخار المهلك إلى خياشيمها. فتنال عقابًا كان في قدرتها تفاديهِ بسهولة.

 

هل يعرف الآباء؟

يشارك بعض الآباء أصدقاءهم الخضر – الضفادع - عجزهم الحسّي والإدراكي. "يُسلَقون" في غبائهم لأنّهم يجهلون أو يتجاهلون مسؤوليّاتهم نحو أبنائهم، أو لأنّهم يتذمّرون من واقع الحال الّذي أنعم به الربّ عليهم، أو لأنّهم لا يدركون أحكام كلمة الربّ في هذا المجال. لا يدرك الأهل أحيانًا أنّ أولادهم يجتازون أزماتٍ متعدّدةً في مراحل نموّهم المختلفة. تشتدّ أو تخِفّ بحسب العمر، وجوّ البيت، وأسلوب التّربية، ونوعيّة العلاقة الّتي تربط أفراد العائلة معًا. من هذه الإضطرابات، أزمة الهويّة والإنتماء، حيث  يسأل الولد، من أنا ومن هم هؤلاء المحيطون بي؟ وأزمة المسؤوليّة، ما هو دوري في الحياة، وما هي المواقف الّتي عليّ اتّخاذها؟ وأزمة السّلطة، أو الصّراع مع السّلطة من أجل تحقيق الذّات. وأزمة القدوة، أي الاتّجاه والتّطابق، أين أتّجه، ومن أتبع، وكيف يجب أن يكون أسلوب حياتي؟

 

حين يدرك الأهل هذه الأزمات، ونوعيّة الصّراعات الّتي تسبّبها، يكونون في الطّريق الصّحيح للبحث عن حلّ لعقدة العلاقة الأفضل والأمثل الّتي تربطهم بأبنائهم. يتحدّد هذا الرّابط بالواجبات الّتي يجب، على كلّ فرد في العائلة، أداؤها. يستخدم البعض تعبير "الدّور" وليس "الواجب". لكن في البيت المسيحيّ لا يلعب الأهل والأبناء مجرّد أدوار وكأنّهم على مسرح. تتسلّط عليهم الأضواءُ فيبدأون بالحركة، ثم تنتهي اللّعبة ونقفل المسرح، وتنتهي الأدوار، أو تتبدّل مع لعبة ثانية. يضع "الواجب" أمامهم مسؤوليّات محدّدة، يطيعونها فيُجازون أو يتمرّدون عليها فيُعاقبون. 

 

واجب التّعليم المسيحي

تتّصف بيوت كثيرة بالاحترام والثّقة والمحبّة ودماثة الأخلاق واللّطف. أمّا البيت المسيحيّ الحقيقيّ فهو المكان حيث يتعلّم الولد حقائق المسيحيّة الكتابيّة العظمى. من يعلّم أولاده في البيت مبادئ كلمة الله، يضمن لهم نموًّا صحيًّا وصحيحًا في مختلف الميادين. ويؤمّن لهم مستقبلًا مميّزًا بالمُثُل العليا والفضائل. يتدرّبون للسّير في طريق الرّب فلا يحيدون عنه مع تقدّم الأيّام. يوضح الرّسول بولس هذا الواجب قائلًا: "وأنتم أيّها الآباء لا تُغيظوا أولادكم بل ربّوهم بتأديب الربّ وإنذاره" (أف 6: 4). يتضمّن عدم الإغاظة العمل على بناء سليم وإيجابيّ لصورة الطّفل الذاتيّة. أمّا التّربية فتعني الرّعاية والتّنشئة والإشباع العاطفيّ والفكريّ والجسديّ والإجتماعيّ والرّوحيّ. تعني أيضًا التّشجيع والمساندة، والوقوف إلى جانب الأولاد في كلّ الظّروف، ومراقبتهم وحمايتهم. لا يمكن لأب وأمّ أن يربّيا الولد إذا لم يتّصفا هما أوّلًا بأخلاقٍ عاليةٍ وحميدةٍ، وعلاقةٍ حميميّةٍ مع بعضهما البعض. يشير التّأديب إلى صقل الشخصيّة وتهذيبها روحيًّا، وتعليم الولد أكاديميًّا، وقيادته أيضًا لمعرفة الحقّ، فينمو بالنّعمة ومعرفة المسيح. يبقى الإنذار، أي الإرشاد والنّصح، وتوجيه الولد إلى الطّرق الآمنة وحمايته من شرور العالم وفساده الخلقيّ والعمليّ، وتعليمه الطّاعة والعيش فقط كما يحقّ لإنجيل المسيح.

 

واجب القدوة الحسنة

شعار الأب الصّالح، "كن قدوةً لولدك". أطع التّعاليم وطبّق التّعليمات أمامه. يتشبّه الأولاد بذويهم بالأقوال والأفعال والأخلاق. تنبع أزمة القدوة والإتِّجاه عند الولد من التّشويش النّاجم عن عدم التّطابق بين القيم المحكيّة والمسلكيّة. كيف سيشبّ ولدٌ يبتسم أبوه للجار ثمّ يشوّه سُمعته في البيت؟ أو حين يقول للواعظ في الكنيسة، "قد تباركنا اليوم من الكلمة"، ثمَّ يتذمّرُ في البيت من طول العظة؟ سيتصرّف الإبن مع أمّه في غياب الأب كما يتصرّف معها الأب في حضوره. سيلتزم الولد في العبادة والخدمة والعشور كما يلتزم الأب. كلمات الأبناء وأفعالهم من كلمات الآباء وأفعالهم. يشكرون أو يتذمّرون مثل أهلهم. كذلك يصلّون ويبشّرون تمامًا كأهلهم. ويرتادون نفس الأماكن الّتي يحبّ آباؤهم الذّهاب إليها. يجب على كلّ الآباء والأمّهات، الحاليّين والمستقبليّين، التّفكير مليًّا بالأمورِ الّتي سيتخلّون عنها، وبالعادات الحميدة الّتي سيمتلكونها لخير أولادهم الرّوحيّ والمسلكيّ والكنسيّ والمهنيّ والإجتماعيّ.  

 

واجب الوكالة

يمثّل الأب، والأمّ ضمنًا، الله في عائلته. يهتمّ بخلاص أولاده. إستدعى كرنيليوس بطرس ليكلّمه فيخلص هو وكلّ بيته. قال بولس لسجّان فيلبّي، "آمن بالربّ يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك". مسؤوليّة الوكيل أيضًا مساعدة أفراد عائلته المؤمنين للنموّ في النّعمة ومعرفة المسيح وعبادة الربّ وخدمته. قال أب لراعي كنيسته، "مسؤوليّة خلاص أولادي عليك يا حضرة الرّاعي، فأجابه على الفور، "مسؤوليّة خلاص أولادك عليك يا حضرة الأب المحترم". ينكر الإيمان من لا يعتني بأهل بيته، روحيًّا وزمنيًّا (1تيموثاوس5: 8). يحافظ الوكيل كذلك الأمر على استقامة عائلته وتماسكها. يؤمّن حاجاتها وينتبه لمسلك أولاده. يتعلّم الآباء من قصّة حنّة وصموئيل أنّ أولادهم هبةٌ من الربّ، يجب تكريسهم له، والصّلاة من أجلهم، وقيادتهم للخلاص.

 

          تبقى ملاحظة في الختام، عن المحبّة. ليس في كلّ الكتاب المقدّس آية واحدة تأمر في محبّة الأهل أو الأبناءِ. السّبب في ذلك أنّ المحبّة ليست واجبًا كإكرام الوالدين بل هي الجوّ الطبيعيّ الّذي يحضن كلّ العلاقات البيتيّة. إنّها صورة الله التي يجب أن تظهر تلقائيًّا في العائلة المسيحيّة. لله محبّة، ويجب أن يكون الأب محبّة والأمّ محبّة والإبن محبّة والأبنة محبّة. وهب الله الآباء والأبناء ثروةً لا تقدّر بثمن في بيوتهم؛ واجبهم المحافظة عليها ومضاعفتها. لا يكفي أن ينتقل الإرث من الجدّ إلى الأب وإلى الأبناء، بل يجب الإتجار بوزنات البيت بمعونة الرّوح القدس.

AddToAny