يقين الإيمان في حيرة الزّمان

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تحيّر النّبيّ حبقوق وهو يراقب عالمه المعاصر. رأى في أمّته عنفًا، ونهبًا، واغتصابًا، ونزاعًا، وعصيانًا لشريعة الرّبّ. الأبرياء يريدون حماية شرعيّة، يُظلمون في المحاكم حيث يسيطر محامون أنانيّون وقضاة فاسدون. أمّة متألِّمَة بسبب أعضاء الحكومة الأشرار. مشاكل أمنيّة وقضائيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة وسياسيّة والحرب على الابواب. المملكة الكلدانيّة أرسلت جنودها لاحتلال الأرض.

 

أسئلة محيّرة

اعتقد النّبيّ أنّ الله صامتٌ غيرُ فاعلٍ وغائبٌ عن المشهد. فتساءل متحيّرًا، "حتّى متى يا ربّ، أصرخ إليك من الظّلم وأنت لا تخلّص؟" لا يترك الرّبّ أولاده الأمناء في حيرة دائمة. هو يعمل في الكون؛ يفشل المؤمنون أحيانًا في رؤية ما يفعله، أو لا يفهمونه على الإطلاق. يحتاجون إلى بصيرة روحيّة نيّرة تميّز الأزمنة والأوقات الّتي جعلها الله في سلطانه. فأجاب الرّبّ نبيّه، "لأنّي عاملٌ عملاً في أيّامكم لا تُصدِّقون به إنْ أُخبرَ به". قال إنّه سيستخدم أمّةً بعيدةً، الكلدانيّين، آلةً بين يديه ليعاقب شعبه.

 

إتّصف جيش الكلدانيّين بالقسوة. فهم سريعون ومؤذون، غاصبون ومحتلّون، هائلون ومخيفون. يطيرون كالنّسور وينقضّون على الفريسة. شعب شرّير وشرّهم شديد. زاد جواب الله من تساؤل النّبيّ وحيرته فخلق له مشكلةً جديدة. لم يفهم كيف يستخدم الإله القدّوس أمّة آثمة فظّة لمعاقبة شعبه. يقول ما معناه، نحن أخطأنا ونستحقّ العقاب، لكنّ الكلدانيّين أشرار أكثر منّا ويستحقّون دينونة أعظم.

 

ليس الخطأ في أن يصارع المؤمن فكريًّا مع مشاكل الحياة الصّعبة ويبحث عن إجابات وحلول لها. يظهر أحيانا وكأن الله غير مهتمّ أو كأنّه نسي خاصّته وتخلّى عنهم وبات يساعد الأشرار. الخطأ هو في أن يتخلّى عن إيمانه.

 

مراقبة وانتظار

يبدو أنّ الأسئلة المحيّرة ستترك حبقوق يفشل في إيمانه. لكنّه لم يفشل أو يُلحد أو يصبح لا إراديًّا. لم يفهم، إنّما راح يراقب الرّبّ وينتظره، "على مرصدي أقف، وعلى الحصن أنتصب، لأرى ماذا يقول لي، وماذا أجيب عن شكواي؟" عرف أنّ الله يسمع ويُجيب. فقال له ما معناه، "يا حبقوق عندي خطّة وجدولٌ زمنيٌّ. كلّ شيء سيتحرّك في الوقت المعيّن. لا تقلق بل اصبر". ثم أعطاه ثلاثة تطمينات رائعة ليتشجّع ويتقوّى إيمانه في الأوقات الصّعبة.

 

التّطمين الأوّل، "البارّ بالإيمان يحيا" فحافِظ على إيمانك. عاش حبقوق في بيئةٍ فاسدة. تنجّست الأرض بأكثر الخطايا المكروهة لدى الله، الطّمع والجشع والعنف والقتل للرّبح والسّكر والجنس وعبادة الأصنام. ومع ذلك وعده الرّبّ مشجّعًا، "لأنّ الأرض تمتلئ من معرفة مجد الرّبّ كما تغطّي المياه البحر". بهذا التّطمين الثّاني ينظر المؤمن إلى المستقبل بالإيمان. يتطلّع إلى موعد المجيء الثّاني للمسيح ليسحق الشّرّ والباطل ويؤسّس مملكة البرّ والحقّ والعدل. بعد ذلك جاء التّصريح المعزّي، "الربّ في هيكل قدسه. فاسكتي قدّامه يا كلّ الأرض". لا يزال الرّبّ جالسًا على عرشه، فلا سبب يدعو للقلق والخوف والتذمّر والشكّ. وسيبقى يحكم ويتحكّم في أعمال الأمم والشّعوب.

 

اكتشف حبقوق أنّ الله مهتمّ جدًّا بمشاكله الفكريّة ومكترث لحيرته، وأنّه يعمل وفق خطّة هو يرسم معالمها ويطبّقها في وقته. من ينظر إلى نفسه وظروفه يفشل وييأس ويشعر بالإحباط ويرغب بالإنكفاء. أمّا من ينظر إلى فوق، حيث المسيح "جالس عن يمين الآب"، يمتلئ بالثّقة لأنّ الغد مع المسيح مشرق. فيستمرّ في كفاحه الرّوحيّ لأنّ " في هذه جميعها يعظّم انتصارنا بالّذي أحبّنا".

 

صلاة وعبادة

تغيّر حبقوق بعد المراقبة والانتظار.لم يعد متذمّرًا بل مسبِّحًا. تحوّل من التنهّد إلى التّرنّم. انتظر في محضر الرّبّ وقتًا كافيًا فسمعه يتكلّم وتثبّت في يقين الإيمان. يظهر النّبيّ في الإصحاح الثّالث من سفره مصلّيًا، "يا ربّ صرت أعرف أنّك تعمل في هذا العالم والآن أرجو منك أن تتابع عملك وأن تجعله مليئًا بالحياة وأن تنهيه وفق خطّتك ومشيئتك وجدولك الزّمنيّ". ما يطلبه بكلّ بساطة أن يستمرّ الرّبّ في عمله ولو كان دينونة على خطايا النّاس وآثامهم. ثمّ يزيد في صلاته ليعلن الرّبّ رحمته على الخطاة.

 

يتأمّل بعد ذلك بأعمال الرّبّ العظيمة في التّاريخ. أدرك أنّ العليّ القدير كان موجودًا في الماضي ويعمل، فوثق أنّه سيعمل اليوم وغدًا. الجبال رجفت من عظمة حضوره في وسط شعبه وهكذا سيرتجف الكلدانيّون. الربّ موجود في وقت الحروب ويعتني بشعبه. ومن الصّلاة والتأمّل ينطلق النّبيّ حبقوق بالتّسبيح ليعلن أهمّ إعتراف إيمان في الكتاب المقدّس:

 

"فمع أنّه لا يُزهر التين، ولا يكون حمل في الكروم، يكذب عمل الزيتونة، والحقول لا تُعطي طعامًا. ينقطع الغنم من الحظيرة، ولا بقر في المذاود. فإنّي أبتهج بالرّبّ وأفرح بإله خلاصي. الربّ السيّد قوّتي ويجعل قدميّ كالأيائل، ويمشّيني على مرتفعاتي" (حب 3: 17-19). فلو سقط كلّ شيء من حولي، ولو كانت كلّ الظّروف غير مؤاتية، ولو فشل كلّ الوضع الإقتصادي، أنا أفرح بالرّبّ، وأستمرّ أصلّي وسلامه يملأ قلبي وفكري.لم يمتلك حبقوق قوّة في ذاته. اعتمد على قوّة مصدرها ومانحها ومحرّكها الله، بها يجتاز التّجارب والمحن والظّروف. 

 

المسيحيّون اليوم يعرفون خطّة الله عبر العصور لهذا العالم أفضل من حبقوق إذا درسوا بدقّةٍ الكتاب المقدّس. من يدرس إعلان الله الكامل يتعلّم السلوك بالإيمان والفرح الدّائم في الرّبّ. ينتصر على الشّكوك والتّذمّر والإنتقاد وتفوح منه رائحة يقين الإيمان لأنّه يرى ما يفعله الرّبّ في الحروب والظّروف والإنهيار الإقتصاديّ.

AddToAny