آثار الخطيّة في مرتكبها

الموضوع:
العدد:
السنة:

ينكر الإنسان المعاصر أيّ أثر للخطيّة في حياته. أمّا الكتاب المقدّس فيؤكّد أنّ الخطيّة تؤثّر في حياة كلّ مَن يرتكبها، أكان مؤمنًا بالمسيح أم لا. والخطيّة توقع الأضرار في حياة مرتبكها، وأحيانًا في الدّائرة المُحيطة به، كما أنّها تعتبر اعتداء ضدّ شخص الله، وهذا ما لا يعرفه أو ما لا يعترف به معظم النّاس. ومن تأثيرات الخطيّة:

العبوديّة لها

قال يسوع: "إنَّ كُلَّ من يَعمَل الخطيّةَ هو عبدٌ للخطيّة" (يوحنّا 8: 34). وبالفعل، تتحوّل الخطيّة لتصير عادة تستعبد الإنسان فيُدمِن عليها. والخطيّة تجرّ الأخرى، وهكذا، تصير الخطيّة سببًا لخطايا أخرى أعظم وأكبر. مثلاً، نرى أنّ قايين حسد أخاه وأبغضه فذبحه، وبعدها، عندما سأله الله عن هابيل كذب قائلاً إنّه لا يعرف أين هو أخوه (تكوين 4: 8-9). هكذا، نرى أنّ خطيّة واحدة أدّت إلى خطايا عديدة. وفي هذا السّياق، نذكر خطايا داود الملك، الّذي اشتهى زوجة أحد قادته، أوريّا الحثّي، وأخذها وزنى معها، وقتل زوجها، وكذب ليُغطّي خطاياه العديدة (2صموئيل 11، 12). كما تتكرّر الخطيّة ذاتها في حياة الإنسان. نرى ذلك في ما فعله ابراهيم عندما نزل إلى مصر حيث كذب قائلاً إنّ سارة هي أخته وليست زوجته، وذلك ليحمي نفسه من فرعون الّذي اتّخذها زوجة له (تكوين 12: 10-20)، كما نراه يرتكب الخطيّة عينها مع أبيمالك في فلسطين (تكوين 20). إذًا، الخطيّة تستعبد الإنسان بقوّة، فلا يستطيع الإفلات منها إلاّ بمعونة المسيح الّذي يُحرّره من كلّ تسلّط شرّير (يوحنّا 8: 36). 

الخداع

لا يقبل الخاطي الاعتراف بخطيّته، ويُحاول إقناع نفسه بأنّ ما فعله ليس خطيّة. يقول النّبيّ إرميا: "القلبُ أخدَعُ من كُلِّ شيء وهو نجيسٌ مَن يعرِفُهُ" (17: 9). إنّ خداع الإنسان لنفسه نابع من طبيعته المُنَجَّسَة بالخطايا. نرتكب الخطيّة ونُنكر ما فعلنا أو نُحاول أن نُلقي اللّوم على غيرنا والظّروف المُحطية بنا. لقد اختبأ آدم عندما أتاه الله وذلك ليُخفي حقيقة سقوطه، وعندما سأله الله عمّا فعل، وضع اللّوم على المرأة الّتي جعلها الله معه، وهي بدورها وضعت اللّوم على الحيّة (تكوين 3: 7-14). وهكذا، نرى أنّ الإنسان لا يُقرّ بسهولة بخطيئته ويُحاول أن يُنكر ارتكابها واضعًا اللّوم على غيره (الله، حوّاء، الحيّة) أو على الظّروف. هذا التّصرّف هو خداع ومراءاة لا يمرّان بلا عقاب أيضًا. أمّا ليتمكّن الإنسان من معالجة موضوع الخطيّة والتخلّص منها، فلا بدّ من أن ينظر إلى واقعه بعين مُجرّدة ويرى أخطاءه ويعترف بها. إنّ ملامة الآخرين وتبرير النّفس لا يفيدان الإنسان إطلاقًا. علَّم يسوع قائلاً: "ولماذا تنظُرُ القذى الّذي في عين أخيك. وأمّا الخشبة الّتي في عينِك فلا تفطَنُ لها." (متى 7: 3-5).

تسكيت الضّمير

ربّما من أبشع الآثار الّتي تصيب الإنسان عندما يُخطئ هو موت الضّمير أو عدم إحساسه. فمرّة تلو الأخرى يتخدّر ضمير المؤمن، وبدلاً من أن ينتفض عندما يقترب من الخطيّة، الّتي كان يجب أن يرفضها في الأصل، يتقبّلها. إلى أن يأتي الوقت الّذي فيه لا يعود ينخسه ضميره عند ارتكاب أيّ خطيّة، بل تصير جزءًا من حياته الشّخصيّة، فلا ينتفض روحيًّا في داخله أو يشعر بأيّ انزعاج أو تبكيت ضمير (1تيموثاوس 4: 2). وهذا ينسحب على الخطايا الصّغيرة والخطايا الكبيرة في آن. وهو ما سبق ورأيناه من تدرّج مضّطرد في خطايا داود، الّذي أذى نفسه وغيره من حوله طويلاً، من دون أن يسمح لضميره بأن يردعه عن ارتكاب المزيد من الخطايا. يُعدّد بولس الرّسول لائحة طويلة من الخطايا الّتي يفعلها الإنسان صاحب الضّمير النّائم أو صاحب الذّهن المرفوض، ويقول إنّ ذاك الإنسان يرتكب خطاياه على الرّغم من معرفته بحكم الله عليها، وهو يفرح بمن يرتكبها أيضًا (رومية 1: 28-32). إنّ إنسانًا كهذا، هو حتمًا صاحب ضمير قد تبلّد وغرق في بحر من الشّرّ والأنانية والعبوديّة وقلّة المسؤوليّة من نحو ذاته ومن نحو غيره، حتّى صار ضميره "ضمير شرّير" لا يردعه عن عمل أيّ خطيّة (عبرانيّين 10: 22).

الموت

إنّ الخطيّة تُميت صاحبها. أُعلِنت هذه الحقيقة أوّلاً في الجنّة عندما قال الله لأبوينا الأوّلين: "وأمّا شجرةُ معرفةِ الخيرِ والشّرِّ فلا تأكل منها. لأنّكَ يومَ تأكلُ منها موتًا تموت" (تكوين 2: 17). هذا المبدأ عبّر عنه بولس الرّسول في العهد الجديد: لأنَّ أجرةَ الخطيّةِ هي موتٌ" (رومية 6: 23). إنّ الموت الّذي جلبته الخطيّة على الإنسان مُثلّث الأبعاد: فهو أوّلاً موتٌ جسديّ، وثانيًا هو موت روحيّ، وثالثًا هو موت أبديّ. (1) الموت الجسديّ. لو لم يُخطئ الإنسان لما دخل الموت عالم البشر. وكما يقول بولس الرّسول إنّ الموت دخل بالخطيّة جميع النّاس (رومية 5: 12). وهكذا، يموت الجميع لا محالة (عبرانيّين 9: 27). أمّا هذا الموت فلا يُمكن للبشر أن يعملوا ما يُلغي حكمه عليهم. وحده المسيح، بموته على الصّليب، انتصر على الموت (1كورنثوس 15: 55-57)، وسيأتي اليوم الّذي يُعتِق فيه الرّبّ أبناء الله من "عبوديّة الفساد" إلى الحريّة والحياة الأبديّة الّتي لهم فيه (رومية 8: 18-23). (2) الموت الرّوحيّ. لقد حصل الموت الرّوحيّ، أي الانفصال عن الحياة مع الله (أفسس 4: 18)، لحظة سقوط الأبوين الأوّلين في الخطيّة. قال لهما الرّبّ إنّهما "موتًا يموتا" وهكذا حصل. وبموت آدم وحوّاء روحيًّا دخل الموت الرّوحيّ العالم أجمع (رومية 5: 12). أمّا التّحرّر من سلطان هذا الموت فهو مُمكن بوساطة الإيمان بيسوع المسيح: "لأنَّ أجرة الخطيّة هي موتٌ. وأمّا هبة الله فهي حياة أبديّة بالمسيح يسوع ربّنا" (رومية 6: 23). (3) الموت الأبديّ، وهو الاستمرار في الموت الرّوحيّ والانفصال عن الله بعد مفارقة الجسد نحو الأبديّة. فمَن يموت من دون أن يختبر الخلاص بالمسيح يهلك في خطاياه إلى الأبد (متّى 25: 41-46؛ يوحنّا 3: 17-18، 36).

إذًا، الّذين لا يؤمنون بالمسيح يموتون مرّتين، الأولى في الجسد عند مفارقة الرّوح لأجسادهم، والثّانية في خطاياهم، عند ابتعادهم عن الله إلى الأبد بعد الدّينونة، إذ لم تكن أسماؤهم مُدوّنة في سفر الحياة (رؤيا 20: 13-15). إنّ هذا الموت الثّاني ليس مُلزمًا لجميع النّاس، إذ ينجو منه الّذين آمنوا بالمسيح. "لكن مُباركٌ ومُقدّسٌ مَن لهُ نصيبٌ في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثّاني سُلطانٌ عليهم" (رؤيا 20: 6). وحدهم الّذين يؤمنون بالمسيح لهم خلاص ونجاة أبديّة. يا لهنائهم!

AddToAny