آفّة الهجرة

الكاتب:
العدد:
السنة:

ليس غريبًا أن نسمع عن هجرة الطيور أو هجرة الاسماك، فهي كائنات تهاجر سنوياً من مكان إلى آخر في الكرة الارضية طلبًا للماء والغذاء أو لأسباب للبقاء. فالقضيّة بالنسبة إليها هي قضية حياة أو موت. ولكن أن نسمع بهجرة البشر وتركهم أراضيهم وذكرياتهم وطموحاتهم، فليس من عادات البشر بل آفّة من الآفات التي يعاني منها المجتمع البشريّ.

عندما شاء الله أن نولد من أبويين أرضيين في جغرافيا معيّنة ومكان معيّن، أرادنا أن نبقى فيه ونعيش ونستوطن ونمارس نشاطاتنا البشرية بكل أشكالها في هذه البقعة المحدّدة من الأرض. يقول بولس الرسول أن الله "صنع من دم واحد كلّ أمة من الناس يسكنون على كل وجه الارض وحتم بالأوقات المعينة وبحدود مسكنهم." (أعمال 17: 26).

أسباب الهجرة

لو سألنا النّاس: لماذا تُهاجرون؟ لجاءت الأجوبة متنوعة ومنها:

·       الرغبة بلمّ الشمل. يُهاجر شخص من العائلة تاركاً وطنه ويبدأ بسحب باقي أفراد العائلة إلى بلد الاغتراب. ولا دعوى لذا بقهرٍ ما يفرضُ على الناسِ الهجرة. بل إنه أشبه بعدوى تنتقل في العائلات من فرد إلى آخر ومن جيل إلى جيل.

·       القهر السياسي الذي يدفع بالأفراد والمجموعات إلى ترك البلاد بسبب معارضتهم لنظام الحكم فيها أو جرّاء اضطهادهم بسبب معتقداتهم السياسية.

·       الاضطهاد الديني. وقد يُدفع البعض من أفراد وطوائف إلى الهجرة جرّاء اضطهاد الأكثريّة لهم بسبب معتقداتهم الدينية.

·       أحلام اليقظة التي تُخيّل للمهاجر أنّه سيجد الراحة في بلد الاغتراب والاستقرار والرفاهية والحرية والسعادة.

·       الطموح الدنيويّ. يظن الانسان نفسه مخلّداً وباقٍ الى الأبد على هذه الارض وما عليه سوى أن يركض ليجمع ويَغْنى ويَعْظم متناسياً أنّه سيُهاجر يومًا ما إلى أبدية لا تنتهي.

أعراض الهجرة

تبدأ الأعراض عند البعض مبكرة منذ الطفولة وكأنه ينتظر أول فرصة تسنح ليهاجر ويترك أرضه ويذهب إلى أي مكان آخر. يتملّكه هاجس وحيد هو إرادة السفر. ويبدأ في وضع المبررات والدفاع عن قضية الهجرة أو ترك الأرض وذلك بتعزيز المسبّبات المختلفة وتكريسها. وينتقل بعدها إلى النظر بعين سلبية إلى كل ما في الوطن فيظهر ما فيه من عيوب وتقصير. ولا يعود يهدأ عن انتقاد النواحي الضعيفة في المجتمع من النقص في خدمات الدولة إلى عدم انتظام الكهرباء وفوضى السير والعجقة الخانقة واهتراء الإدارة العامّة... وغيرها من أمور يُخيّل للسّامع أنّها كالاوكسجين الذي نتنفّسه، والذي لأجله نهجر الوطن من دون أن نعمل شيئًا لتحسين أحواله، متناسين أنّه بيتنا الذي ولدنا فيه ومسؤولين عن تحسين أحواله وتقدمّه وتسليمه لأولادنا بأفضل ممّا استلمناه.

مواجهة الهجرة

الهجرة، بنظري، آفّة لا يجب التهاون حيالها ومحاربتها طالما استطعنا إلى ذلك سبيلاً. فهي تُفرّغ البلاد من أهلها وترمي بالمهاجرين وأولادهم في أراضٍ ومجتمعات ليست لهم. وتمكن محاربة الهجرة من خلال:

·       اقناع المواطنين أن الله وضعنا في أرضنا التي أعطانا إيّاها لنحيا فيها ونعمل ونحفظها.

·       تنمية الحسّ الوطنيّ ومحبّة الوطن والارض والشعب التي لا بديل عنها في المهجر.

·       تنمية الشعور بالمسؤولية تجاه البلد ومستقبله الأمر الذي يفرض الاجتهاد والعمل والإنتاج واستخدام الوزنات فلا يعود الكسل أو الحاجة أو الانفصال النفسيّ عن البلد من الأمور التي تدفع إلى الهجرة.

·       تعزيز الروح الايجابية من أجل تغيير طريقة التفكير والنظر بعين متفائلة إلى الحاضر والمستقبل.

·       ممارسة الاتكال الدائم على الله معطي الحياة والقيام بخدمته وبعبادته حيث أقامنا لذلك.

ومن المفيد، ونحن نُحاول في هذه المساحة القليلة الكلامَ على آفة الهجرة والتحذير منها، أن نتذكّر القول الشعبيّ "قمح بلادي ولا زوان الغريب". يُشجّعنا هذا القول على التمسّك بأرض الأجداد حيث تُحفظ كرامتنا ولا نُعامل كالغرباء ونتألّم بسبب آفّة العنصريّة ضدّ المهاجرين. والواقع هو أن "الغربة مرّة كالعلقم" لكن لا يصفها أحد من المهاجرين على حقيقتها. ناهيك عن غياب الحياة الاجتماعية الطيّبة حيث استُبدلت العلاقات الانسانية بالمادية والأنانيّة والطمع.

يبقى أن نتذكّر أنّنا جميعنا ضيوف على هذه الأرض التي سنتركها يوماً مهاجرين إلى الآخرة، وسنقف أمام خالقنا ليسألنا عمّا فعلناه في أيام جسدنا على الأرض التي وُلدنا فيها

AddToAny