أتحبّ كتابك المقدّس؟

العدد:
السنة:

عادة اكتستبتها مع الوقت، بعضهم يراها صحيحة ومنطقيّة، وبعضهم الآخر أمرًا مُملاًّ. إنّها عادة قراءة كُتيّب الإرشادات. معظمنا لا يُحبّ أن يقوم بذلك، فقراءة مقاطع تقنيّة أمر مُضجر يؤخّر التّمتّع باختبار ما هو جديد. إلاّ أنّنا عندما نرى حاجتنا إلى آلة جديدة تُسهّل عملنا، نبتاعها، وبسرعة نريد استعمالها والاستفادة منها مأخوذين بقدرتها على تحسين حياتنا عمليًّا ونفسيًّا، فنكتفي بما تقدّمه لنا معرفتنا البدائيّة بها، ونُهمل كتيّب الإرشادات الصّغير، وكأنّ وجوده هو من باب الواجب فقط أو بهدف تعذيبنا! أمران مهمّان يحتويهما هذا الكتيّب: كيفيّة حماية الآلة من الاستعمال الخاطئ والاعتناء بها، ومعرفة وجهة استعمالها الصّحيحة. كنت في السّابق أتصرّف بطريقة خاطئة، لكنّني اكتشفت، مع الوقت، منافع قراءة كتيّب الإرشادات. لقد أدركت أنّ ما كنت أسمعه من الآخرين أو ما أعرفه من معلومات هو غير كافٍ، وصرت أحبّ العودة أوّلاً إلى المرجع الصّالح.

نقرأ في إنجيل لوقا أمرًا مشابهًا إلى حدٍّ ما. ففي بداية إنجيله، وفي أوّل جملة كتبها، يُظهر لوقا حرصه على تقديم قصّة ربنا يسوع بدقّة. وبخاصّة أنّ القصص المعدّلة عن المسيح كانت قد بدأت تتألّف، وأنّ النّاس راحوا يؤخذون بأخبار تشوبها الزّيادات أو الأخطاء. إنسان يسمع من خادم الرّبّ، ويروي بدوره ما سمعه على طريقته، وهكذا تنتقل القصّة من شخص إلى آخر لتصل في نهاية المطاف مختلفة عمّا بدأت به. أمّا لوقا فقد رفض تحريف ما يعرفه باليقين، ولمس بنفسه كيف أن البُشْرى السّارّة قد انتقلت في جيله لتصبح مغايرة لبشارة الرّسل. من هنا، حرّك الله قلبه واقتاده بروحه القدّوس ليُدوِّن ما تعلّمه من الرّسل الّذين عاينوا الرّبّ من البداية. وهو الّذي مَحَّص دقائق الأمور بتفكيره المنطقيّ، ولاحق التّفاصيل من مراجعها الأصليّة، ليضع بين يدَي ثاوفيلوس، وبالتّالي نحن، كلمة الرّبّ، ولكي "نعرف بالتّمام صحّة الكلام الّذي نتعلّمه". الله الّذي كتب وصاياه بنفسه على حجرين في أيّام موسى، استخدم مؤمنين مُخلِصين لتدوين كلمة الحياة، فتُحفَظ لجميع الأجيال وتكون دليلاً لهم في حياتهم الرّوحيّة.

في بداية إيماني، كنت أحبّ سماع المؤمنين وهم يتحدّثون عن الرّبّ، ويخبرون بحقائق وأمور اعتقدت قبلاً أنّني أعرفها. وكنتُ أحسب نفسي مؤمنًا مُلتزمًا، لكنّني لم أتصوّر أبدًا مدى جهلي إرادة الله في حياتي. إنّ أجمل ما علّمني إيّاه المبشّرون هو قراءة الكتاب المقدّس. قديمًا، كان الكتاب يعني لي الأناجيل الأربعة، أمّا باقي الرّسائل فكان يظهر وكأنه أحد المراجع السّميكة الّتي لا تُقرأ. إلى أن دعاني أحدهم إلى متابعة قراءة الكتاب، فكاتب الأناجيل هو نفسه كاتب الكلّ، الرّوح القدس. كانت دعوة إلى دخول عالم جديد، ففي كلّ صفحة رأيت عمل الله، سمعت صوته، أبهرتني عظمته وتوضّحت لي إرادته. في كلّ يوم كان شغفي بمتابعة القراءة يزيد، وبذرة الإيمان في داخلي تنمو وتكبر. أحيانًا كانت تصعب عليَّ الأمور فأسأل الإخوة أو أقرأ تفسيرًا، وأحيانًا أخرى كانت كلمة الله تنساب كمياه إلى قلبي، تجذبني، تُبكّتني، تُعزّيني، تُفرحني، تُعرّفني حقيقتي وتقودني إلى الحقّ... لقد أحببت الكتاب المقدّس وتغيّرت نظرتي إليه. هو ليس كتيّب إرشاد فقط، بل هو كتاب أسمع من خلاله صوت ربّي، وكلماته غذاء لروحي وقراءته لذّة لنفسي، ومنه أتعلّم أن أحفظ نفسي وأصونها. مَن يتشجّع ويبدأ في قراءته لا يكتفي بالاطّلاع على جزء صغير منه، بل ينجذب إلى دخول أعماقه ليتعرّف إلى الله وفكره بشكل مباشر.

AddToAny