أخطـاء المـاضـي والفرصة الجديدة

الكاتب:
العدد:
السنة:

كوننا لا نستطيع أن نرجع بالزّمن ولا أن نَمحو منه ما كان قاسيًا ومؤلِمًا، فنحن لا نستطيع أن نزيل من حياتنا آثار الماضي وأحماله الثّقيلة. فما حصل هو ربّما اختبار أو مرض أو ذكرى أو حادثة أو عادة سيّئة نقشت في النّفس آثارها، كما تترك المسامير آثارها عند إزالتها من عن الحائط. هذه الآثار قد تظهر على شكل ندم أو وجع أو شعور بالذّنْب، أو فاتورة باهظة ترافقنا طوال الأيّام. ماذا نفعل لنُكمل الحياة الّتي تعرضت لجراحٍ وندوب قاسية كهذه؟ 

أوّلاً، علينا مواجهة الواقع وعدم الهروب منه. إنّ الهرب من اللّوم أو التّعبير عن الألم لا ينفع. كما أنّ عدم الثّقة بأحد والهروب من مواجهة الله، حتّى ولو كنّا نشعر بعتب أو لوم عليه لسماحه بما حصل، ليس هو الحلّ. لنُعبّر له عن خيبة أملنا إذا أردنا، إنّما لنسمح له ولرحمته ولمحبّته ولنعمته بأن تقودنا وتسندنا. فيجب ألاّ نُخفي المشكلة بل أن نضعها أمامه بتواضع، فهو يملأ الكون بحضوره ويعلم كلّ شيء، والتّظاهر بعدم وجود المشكلة لا يُلغيها أبدًا، بل هو عمليّة خداع للنّفس. فبدلاً من أن نقمع المشكلة أو نتجاهلها، لنعترف بها أمام نفوسنا وأمام إلهنا وليكن عندنا التّصميم على مواجهتها والتّعامل معها.

ثانيًا، لنتأكّد أنّ هناك غفرانًا كاملاً عند الله. إنّ الشّعور بالخطأ ليس هو بقصاصٍ للنّفس، بل وُجِد حتّى يُرجعنا إلى الله لننال الغفران. فعندما نأتي إلى الله واضعين حملنا عليه، نثق بأنّنا نحصل على الغفران الأكيد (رومية 1:8). أمّا إذا رفضنا أن نغفر لنفوسنا فإنّنا نُسيء بطريقة ما للمسيح لأنّه وعدنا بغفران جميع خطايانا مهما كانت كبيرة (كولوسّي 2: 13). قد يبقى لهذه الجراح نتائج ملموسة مستمرّة أو علامات فارقة لا تزول، لكنّ صاحبها يتأكّد من أنّ عقابها قد رُفع وأنّ الله قد نسيها، كما يقول: "أنا أنا هو الْماحي ذُنوبَكَ لأجْل نَفْسي، وخطاياكَ لا أذْكُرُها" (إشعياء 25:43).

ثالثًا، لنعلم أنّ هناك رجاء عظيمًا لبداية جديدة. مهما كان الوضع، أو حتّى مهما كانت نتائجه، فالله يستطيع كلّ شيء. هو الخالق وهو الّذي يستطيع أن يصنع كلّ شيء جديدًا. هو صاحب السّلطان وهو الّذي يستطيع أن يحوّل أيّ اختبار أو جرح أو ألم في الماضي إلى أساس لبناء جديد مُتميّز في المستقبل. وإذا وَجدَ أقرب المقرَّبين صعوبة في قبولنا كما نحن، فهو رحوم لا يجد ذلك، وبالتّالي، نستطيع أن نقول: "إنَّ أبي وأُمّي قد ترَكاني والرّبّ يضُمُّني" (المزمور 10:27). وإذا وجد أعظم الأطبّاء استحالة في شفاء الجراح، فالرّبّ لا يعسر عليه شيء إذ "يَشْفي المنْكَسِري القُلوب، ويَجبُر كَسْرَهُم" (المزمور3:147). نعم، هناك رجاء لبداية جديدة. قد لا تكون كما قد خطّطنا نحن لها، إنّما من دون شكّ، مع المسيح تكون الخطّة الأفضل لنا.

نعم، لا أستطيع أن أرجع بالزّمن أو أن أمحو أيّ جزء منه، إنّما أستطيع أن أواجهه وأحصل على الغفران من المسيح وعلى فرصة بداية حياة جديدة وجميلة معه. يقول الرّب: "لأُعْطيهُم جمالاً عِوَضًا عن الرّماد، ودُهْن فرح عِوَضًا عن النّوْح، ورِداء تسْبيح عِوَضًا عن الرّوح الْيائِسة" (إشعياء 3:61).